الثلاثاء , 14 يوليو 2020
الرئيسية / العالم / ووهان من جديد: بوابة الجحيم أم نافذة الأمل؟

ووهان من جديد: بوابة الجحيم أم نافذة الأمل؟

ووهان من جديد: بوابة الجحيم أم نافذة الأمل: هل نتج الفيروس عن تجارب مختبر؟ أم أن الاتهامات الأمريكية تعكس فشل أمريكا فيما نجحت فيه الصين؟

مع ضم بريطانيا صوتها للولايات المتحدة الأمريكية في إتهام الصين بالتسبب في كارثة وباء كورونا المستجد، عادت إلى السطح من جديد نظرية الفيروس المصنوع في المختبر، وتوجهت أصابع الاتهام المباشرة نحو مختبر ووهان الذي تحيط به الأسرار منذ سنوات.

فماهي خصائص هذا المختبر؟ هل أن الفيروس نتاج تطور طبيعي نمطي أم هو خريج مميز لعالم مجنون؟ هل يمكن أن تكون جائحة الكورونا فعلا بشريا مخططا له -كما يشير البعض- أو نتاج خطأ غير مقصود -كما يرجح آخرون-؟

هذا التقرير يقدم لنا لمحة من وراء جدار فولاذي جديد عماده الحقائق والأوهام

مختبر صيني بعقول دولية

بعدد سكانها البالغ 11 مليون نسمه وبخطوط النقل البري والجوي المكتظة دائما، ، تعتبر مدينة ووهان مدينة صناعية متكاملة لكنها صارت محل أنظار العالم عندما دخلت فترة حجر صحي استمر لأكثر من 70 يوما عانى فيها السكان الأمرين لمحاولة النجاة من خطر واحدة من أعتى جائحات العصور الحديثة.

لكنها، وهي تنفض الغبار وتحاول النهوض، عادت من جديد الى الكاميرا لتصبح -وليصبح مختبرها تحديدا- محل اتهام من دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا بكونها مصنع الوباء الذي زعزع اقتصادياتها.

وقصة مختبر ووهان لم تبدأ اليوم، حيث أنشأ كعلامة على الانفتاح الصيني في مجال العلوم بين الصين وفرنسا وتحديدا بين أكاديمية العلوم الصينية وشركة صناعة حيوية فرنسية انطلقت سنة 2015 حيث تم توسيع وإعادة تطوير مختبر متطور سابق أفدم في نفس منطقة المختبر الحالي الذي أصبح يمتد على مساحة 3000 متر مربع ويتموضع قرب نهر هام وذلك بكلفة بلغت 44 مليون دولار ليكون أول مختبر صيني يصنف بمستوى سلامة حيوية 4.

ومختبرات السلامة الحيوية بالمستوى الرابع تعتبر نادرة جدا حيث لا يوجد سوى عدد قليل منها في العالم نصفها يوجد أو تشرف عليه الولايات المتحدة، وهي تعد أشبه بأفلام الخيال العلمي من ناحية الحماية الأمنية والطبية وإجراءات العزل وفترة الإقامة في الحجر قبل العودة للحياة خارجه، ولا يفوقها في مستوى التطور سوى مختبرات السلامة المعدة لفحص العينات الفضائية كالصخور والتراب او لتعقيم المعدات قبل إرسالها لخارج الأرض.

هذه الإجراءات الحمائية ليست مبالغة فهذه المختبرات تحوي أجطر الفيروسات والجراثيم من الإيبولا والماربورغ المرعبان إلى الجمرة الخبيثة وكثير من فصائل الانفلوانزا وغيرها ممن يمكن أن تسبب اخطر الإمراض التي لا يوجد لها تلاقيح نهائية أو علاجات فعالة فهي توضع في هاته المختبرات إما للبحث عن علاج أو لتطويرها كسلاح بالنسبة للمختبرات العسكرية رغم المحظورات والمعاهدات الدولية.

“واشنطن بوست” ذكرت في تحقيق صحفي مؤخرا أن تقريرا استخباراتيا يعود ل2018 أعدته السفارة الأمريكية يشير إلى إن الصين تجري تجارب حول كورونا الخفافيش بهذا المختبر وشكك في سلامة إجراءات الحماية وصرامتها هناك. هذا التقرير -الذي لم ينشر نسخة من التقرير- قد يكون صحيحا، حسب الخبراء، حيث أن فيروس الكورونا يعد اكتشافا حديثا استرعى اهتمام الباحثين منذ ستينات القرن الماضي وخاصة منذ تطور احد أنواعه ليصيب الجمال في السعودية قبل بضعة سنوات فضلا عن كون المختبر يحوي اكبر ترسانة عينات فيروسية في آسيا ب1500 نوع منها.

المريض صفر ولغز الحيوان الوسيط

في علم الأوبئة -وعدة علوم أخرى- يطلق مصطلح “المريض صفر” أو “المريض المؤشر” على الحالة الأولى التي أصيبت بفيروس او مرض ما حتى ولو لم تحمل علامات مثلا او لم يتم تسجيل حالتها الدقيقة من البداية. واكتشاف الحالة صفر هام جدا في مقاومة الأوبئة حيث أنه يكشف شبكة انتشار المرض بالترتيب ما يجعل من الممكن تقدير عدد الإصابات المفترضة وحصار المرض كما أنه يكشف عادة الحيوان الوسيط، إذا كان مرضا حيواني الأصل ما يسمح بفهم العوامل التي جعلته يتطور وما يحسن الأمل في مقاومته، ولذلك يعتبر هاذان العاملان على درجة كبيرة من الأهمية.

لكن، رغم تقدم البحوث، ما يزال كلاهما مجهولا في حالة فيروس الكوفيد-19 وهو ما يضاعف من ألغاز هذا الوباء ذلك أن كل ما لدينا هو فرضيات لا يمكن إقرارها في المطلق.

فمن ناحية يقر الباحثون أن فيروس الكورونا الحالي مصدره فيروس كورونا يعيش عادة عند الخفافيش لكنهم غير متأكدين بصفة نهائية من كيفية تطور احدى انواعه لتصبح قادرة على اصابة البشر حيث تقول الفرضية الرسمية أنه انتقل من الخفاش الى آكل النمل الحرشفي (حيوان ثديي نادر يتم صيده للتغذية على قشور جلده) ومنه الى سوق ووهان حيث إلتقطه مريض مجهول ليصبح المريض صفر، لكن هذه الفرضية تواجه شكوكا عدة.

تقول الباحثة في شؤون السلامة الإحيائية في كينغز كوليدج في لندن فيليبا لينتزوس، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية، إن “مصدر الوباء لا يزال سؤالاً عالقاً”. و “لا شيء يرجح فرضية تسرب الفيروس من مختبر وليس هناك دليل حقيقي على أن الوباء المستجد مصدره بالفعل سوق ووهان للحيوانات البرية” حيث تشير صحف أمريكية أن “المريض صفر” كان يعمل في مختبر فيروسات في ووهان، ثم نقل العدوى إلى السكان هناك.

وما زاد الطين بلة، تصريح وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الذي قال في مؤتمر صحفي “حتى اليوم، أراهم يحجبون المعلومات عن العالم، وأعتقد أننا بحاجة إلى بذل المزيد لمواصلة الضغط عليهم لمشاركة الجميع المعلومات التي بحوزتهم. معظم الناس يعتقدون بأن الأمر حدث بشكل طبيعي، لكن أعتقد أنه في الوقت المناسب، وعندما نتغلب على الوباء الذي نحن فيه الآن، سيكون هناك وقت للنظر إلى الوراء والتأكد من حقيقة ما حدث، والتأكد من أن لدينا فهمًا أفضل حتى نتمكن من منع حدوث ذلك في المستقبل”.

الولايات المتحدة كانت على اطلاع على تفاصيل البروتوكول الصيني المعتمد في حالات الأوبئة حيث كان هناك برنامج لتبادل الخبرات في معهد آخر في ووهان هو مركز ووهان للسيطرة على الأمراض الذي يبعد كيلومترات قليلة عن سوق المدينة “prevent” بين البلدين.

ومن خلال هذا البرنامج، الذي توقف قبل انتشار الفيروس، وعبر المقارنة بين الخطوات المفترضة وما فعلته الصين في الواقع، كشفت صحافة الولايات المتحدة أن الطريقة التي مسحت بها السلطات البيانات والعينات في المختبر ومسح الأسطح الملوثة، ومحو بعض التقارير التي حاولت التطرق للموضوع، وتعطيل كل المقالات الأكاديمية بالخصوص، كلها تثير الشكوك.

وذكرت “فوكس نيوز” أن هناك أطباء وصحفيين “اختفوا” بعد أن حذروا من انتشار الفيروس وطبيعته المعدية السريعة وانتقاله من شخص لآخر خاصة بعد مطالبتهم بوقف الرحلات الدولية من ووهان رغم توقف الرحالات بين ووهان وبقية الصين.

تعاون أمريكي-صيني

صحيفة “ديلي ميل” الأميركية من جهتها كشفت عن تقارير تفيد أن الولايات المتحدة قدمت ملايين الدولارات لتمويل البحوث التي أجريت في معهد ووهان للفيروسات في السنوات الأخيرة من خلال مشروع White Coat Waste Project، ووصلت التمويلات المدفوعة المصرح بها فقط إلى أكثر من 7 مليون دولار مقسمة بين بحث حول كورونا الخفافيش وبحث حول حقن الفيروسات في أدمغة الفئران.

هذا التمويل جاء بناءا على توصية من وزارة الخارجية مبررة أن أبحاث المعهد حول فيروس كورونا كانت مهمة وخطيرة وأن على الولايات المتحدة التدخل لتدعيمه لأن المعمل الجديد، حسب التقارير، يعاني من نقص خطير في الفنيين والكوادر اللازمة لتشغيل هذا المختبر عالي الخطورة.

وكان المختبر بالفعل يتلقى المساعدة من مختبر جالفستون الوطني في فرع جامعة تكساس الطبي.

ما زاد في حدة التصريحات الأمريكية حيث صرح السيناتور مارثا مكسالي: “ليس هناك شك في أن الحكومة الصينية ملطخة بدماء الأميركيين، لقد عرضوا حياتنا للخطر من خلال إخفاء أصل وسبب أزمة الفيروس التاجي”. مضيفا: “يجب على المعاهد الوطنية للصحة التوقف فورا عن نشر الدولارات التي تجمعها من ضرائب الأميركيين لإجراء هذا البحث الخطير”، بحسب تعبيره.

مكسالي يقود حاليا حملة في الكونغرس لضمان عدم دفع أموال الإغاثة من كورونا قائلا “إنه خطأ الحكومة الصينية عليها دفع الثمن”.

تعتيم إعلامي

ما لاحظته عديد الصحف ومنذ بداية الأزمة كان الحذر والتعتيم المبالغ فيه من الجانب الحكومي حول خطورة الوباء ودرجة انتشاره فقد أشارت تقارير عدة إلى “اختفاء” صحافيين وعلماء وعملة بالقطاع الطبي بعد أن قدموا تصريحات تناقض بعض التصريحات الرسمية أو تنبه لخطورة الوباء.

منظمة الصحة العالمية نفسها منعت من الوصول لووهان حتى فيفري 2020 اي اشهرا بعد بدء الازمة.

ريتشارد ايبرايت، خبير في مجالي الكائنات الدقيقة والسلامة الحيوية، في حديث لواشنطن بوست أنه شاهد فيديو في مركز المراقبة والتحذير المبكر حول الأمراض في ووهان يظهر أن الإطار المختص في دراسة كورونا الخفافيش كانوا يفتقرون لتجهيزات السلامة الضرورية ولا يلتزمون بحرفية تعليمات السلامة. والصحيفة أشارت كذلك أن فريق مراقبة طبية زار المختبر مرتين في 2018 وبه لنقص تجهيزات الأمان وحتى لبرامج تدريب العملة.

هذه التقارير وغيرها تم تجاهلها عند بداية الأزمة وتم الاكتفاء بما تقدمه الوسائط الرسمية التي نشرت في مرحلة مبكرة بين المواطنين فكرة أن الفيروس قدم من خارج ووهان بل ومن الولايات المتحدة تحديدا.

بل أن تقريرا أخطر نشر في جانفي في موقع ذو لانست أشار أن دراسة طبية صينية وجدت ان لا علاقة بين المريض صفر المحتمل وبين سوق ووهان الشعبي، لا هو ولا حتى 13 من جملة أول 41 حالة مسجلة وهو تقرير لم ينل حظه كفاية من الاهتمام الاعلامي ويعد هاما خاصة اذا ثبت ان الفيروس موجود قبل نوفمبر العام الماضي بفترة طويلة ،ما جعل الد. فيليبا لنتوز، باحثة في الامن الحيوي في المعهد الملكي البريطاني، تقول : “في حين أنه لا يوجد حاليًا دليل على نظرية حادث المعمل ، إلا أنه لا يوجد “دليل حقيقي” على أن الفيروس جاء من السوق. بالنسبة لي ، لا يزال أصل الوباء سؤالاً مفتوحاً. بعض المعطيات تشير إلى حادث مختبر محتمل لكن كل هذا يحتاج إلى تحقيق كبير”.The Lancet

أما الد. دينيس كارول، رئيسة سابقة مركز التنبيه المبكر من الامراض المعدية والتي أسست برنامج بريديكت لمراقبة الامراض ذات المنشأ الحيواني (الذي أغلقه ترامب في شهر اكتوبر ما يثير أسئلة أخرى)، فقالت :” كل المخابر المتقدمة مهتمة بمخاطر تسرب عينات فيروسية من مراكز البحث. لقد سبق أن وقعت حالات اصابة بسبب تسرب امراض من منشئات متطورة. هذا وقع سابقا وسيقع مستقبلا ولا يمكن منعه بصفة كلية ومطلقة ولهذا ينبغي ان نهتم بهذا الموضوع.”

وبين الاتهامات الصينية-الأمريكية المشتعلة، بدأ عدد من العلماء في الدفع نحو حوار عقلاني بعيد عن المطامح السياسية والعسكرية وعن نظريات المؤامرة يحاولون التسلل بين ثقوب الجدار الحديدي والرد عن كل فرضية على حده.

تطور فيروس في الطبيعة محتمل اكثر منه في مختبر بيتر داسزاك Daszak عالم أمضى أكثر من 15 سنة يدرس الفيروسات التي تعيش في حيوانات برية وخاصة منها ما يمكن أن تشكل خطرا على الإنسان، وهو رئيس تحالف EcoHealth Alliance وأخصائي أمراض البيئة الذي درس الأمراض المعدية الناشئة مع زملائه في الصين، يقول إن فرصة أن ينتقل فيروس كوفيد من الخفافيش إلى البشر اعلي مما يمكن تجاهله.

” إنها مسألة إحصائية بسيطة” يقول ” لدينا مئات الملايين من الخفافيش في جنوب شرق آسيا ونحو 10 في المائة من الخفافيش في بعض المستعمرات لديها هذا الفيروس. هذا يعني مئات الآلاف من الخفافيش تتجول كل ليلة مصابة بالفيروسات. في المقابل، نجد أيضًا عشرات الآلاف من الأشخاص يصطادون في البرية في الصين وجنوب شرق آسيا ، وملايين الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية في جنوب شرق آسيا بالقرب من كهوف الخفافيش. لقد خرجنا وقمنا بمسح سكان في كل العالم. لقد ذهبنا إلى كهوف الخفافيش ووجدنا فيروسات نعتقد أنها يمكن أن تكون عالية المخاطر . وعندما نأخذ عينات من الناس في مكان قريب من الكهوف، نجد 3 في المائة من السكان لديها أجسام مضادة لتلك الفيروسات. إذا عممنا هذا إحصائيا على السكان في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا ، فسيكون عدد المصابين بفيروسات كورونا الخفافيش من مليون إلى 7 ملايين شخص سنويًا.”

ثم يقارن مضيفا “إذا نظرت إلى المختبرات التي تحتوي على أي فيروسات تاجية في جنوب شرق آسيا، فمن المحتمل أن يكون هناك اثنان أو ثلاثة وهم في حالة أمان عالية. يمتلك معهد ووهان للفيروسات عددًا صغيرًا من الفيروسات الخبيثة التاجية وربما هناك ستة أشخاص يعملون عليها. لذا دعونا نقارن بين مليون إلى 7 ملايين شخص في السنة وبين ستة أشخاص.”

ويتفهم د. داسزاك لماذا يجد الأشخاص الذين لا يتعرضون للخفافيش بانتظام ، صعوبة في فهم مدى خطورة إصابة البشر بفيروسات جديدة تنتشر في الخفافيش لكن الخبراء يعرفون دائما خطورة العلاقة التي تربط كلا الكائنين.

كما ترى أنجيلا راسموسن ، عالمة الفيروسات في جامعة كولومبيا ، أن فرضية التسريب المختبري غير محتملة. تقول: “جاء هذا الفيروس من الخفافيش في ظروف غير معروفة”. “وفي حين لا يمكنني استبعاد فرضية الحوادث المعملية كليا، هناك العديد من الاحتمالات الأخرى لكيفية حدوث الانتقال. يمكن أن يكون المصاب صفر شخصًا يجمع فضلات الخفافيش من أجل السماد، شخص ما ينظف حظيرة، شخصًا يستكشف كهفًا. يمكن أن يكون أي موقف فيه اتصال بالحيوانات. هناك العديد من الخيارات الأخرى الأكثر منطقية من تسرب من المختبر.”

خلط متعمد بين الفصيلة والعائلة والنوع 

إن كما هائلا من الدراسات نشر منذ اكتشاف عائلة الفيروسات التاجية وخاصة أول فيروس تاجي سارز أصاب البشر في عام 2003 و منها بحوث حول الفيروسات التاجية للخفاش، وهناك ورقات بحثية تفيد أن من المحتمل جدًا أن تنشأ فيروسات تاجية شبيهة بالسارس من الخفافيش ، وهو احتمال متزايد.

في المقابل، ويؤكد داسزاك مرة أن لا علاقة مباشرة ممكنة بين سارس 1 وسارس كوفيد فالاختلافات تصل 80 بالمائة من الجينوم وهي نسبة ضخمة جدا لتكون نتيجة تجارب مخبرية خاصة أن ذلك يتطلب إما تربية أعداد هائلة من الخفافيش في المختبر (وهو غير موجود بووهان) أو زراعتها في أنسجة حية وهي عملية صعبة بالنسبة للكورونا ولا يمكن القيام بالكثير من التجارب في هاته الحالة.

في بدايات هذا العام ، أبلغ الباحثون الصينيون عن فيروس يسمى RaTG13 اكتشفوه في كهف في يوننان ، الصين ، في عام 2013.

يشارك هذا الفيروس 96 في المائة من الجينوم الخاص به مع الفيروس التاجي كوفيد، مما يجعله أقرب قريب معروف للفيروس الحالي إلى حد ألان. ومن الناحية التطورية، تعتبر نسبة 4٪ نسبة كبيرة ما يعني احتمالا ضئيلا جدا أن احدهما تطور من الأخر.

يقول إدوارد هولمز، الأستاذ في جامعة سيدني “إن الاختلاف بين الفيروسين يعادل 20 سنة من التغير التطوري المستحث في المختبر و50 سنة من التطور في الطبيعة”.

وجامعة سيدني ذاتها كانت قد نشرت ستة ورقات بحثية حول جينوم الفيروس وأصوله مطلع هاته السنة وأفادت أن العلاقة بين الفيروسين مستبعدة.

أسطورة الجدار الحديدي

يتفق كارول ، المدير السابق لبرنامج الانذار المبكر من الامراض والذي أمضى أيضًا سنوات في العمل مع علماء الأمراض المعدية في الصين، على أنه لا يوجد دليل على أن الباحثين الصينيين كانوا يعملون مع ممرض جديد، فهو يؤكد أنه مهما كان الجدار الأمني منيعا فإن العلماء لابد أن يتصلوا ببعضهم بطريقة أو بأخرى.

يقول :” إذا كان هناك فيروس جديد خطير محتمل تم تصنيعه أو جلبه إلى المختبر، فلابد أن تجد ثرثرة حول ذلك. وعندما تنظر إلى الوراء بأثر رجعي ، لا توجد أحاديث على الإطلاق عن اكتشاف فيروس جديد.”

كارول واثق من أنه كان سيسمع عن ذلك لأنه ، في منصبه الحالي كرئيس لمشروع فيروم العالمي ، لديه من العلاقات الرسمية والشخصية ما يجعله من أوائل من يطلع على أي اكتشاف جديد بهاته الخطورة وهو يشير إلى أن العلماء الصينيين ليسوا معزولين عن المجتمع العلمي.

من جانبها ، تعتقد راسموسن أيضًا أنه لا يوجد اقتراح للتستر. وقالت “لم أر أدلة على وجود مؤامرة كبيرة للتغطية على وجود تسرب مختبري لهذا الفيروس.”

أما عن تعاون الصين، فقد نشر المعهد في فيقفري بياناً يذكر فيه أنه تلقى اعتباراً من 30 ديسمبر عينات عن الفيروس الذي كان غير معروف وينتشر في ووهان (ثم تم التعريف عنه لاحقاً على أنه سارس-كوف-2)، وفكك تسلسل جيناته في الثاني من جانفي أي في وقت قياسي، ثم نقل هذه المعلومات إلى منظمة الصحة العالمية في 11جانفي.

بعدها أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها تلقت تسلسل الجينات في 11 جانفي من الصين. ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان الجمعة الاتهامات الأميركية الموجهة للمعهد بتعطيل أي إجراء.

حرب تصريحات غير عقلانية

عندما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي للصحفيين في البنتاغون “هناك الكثير من الشائعات والمضاربات في مجموعة واسعة من وسائل الإعلام ومواقع المدونات وما إلى ذلك. ليس من المستغرب أن نولي اهتمامًا كبيرًا لذلك ، وقد تلقينا الكثير من المعلومات الاستخبارية حول الموضوع. وأود فقط أن أقول إنه غير واضح في هذه المرحلة ، على الرغم من أن الأدلة تشير إلى [أصل] طبيعي. لكننا لا نعرف على وجه اليقين.”

إن تصريحا مثل هذا لم يمر دون أن يعيد للأذهان ذكريات التصريحات حول العراق أو حول دعم سوريا للإرهاب وهي تصريحات لا تقدم معطيات بل تكتفي بالتشكيك أو بتقديم معطيات خاطئة على أنها ضمنيا صحيحة. هذه النوعية من الأدوات الإعلامية ذاتها استعملتها الصين عندما أشارت ل”عبوات مجهولة المصدر في محيط السفارة الأمريكية” أو “إن الفيروس ربما من خارج الحدود.”

في المقابل، تم تجاهل المعارضة مثل تصريح الجنرال بول فريدريش، جراح هيئة الأركان المشتركة: “لا يوجد شيء يثبت فكرة أن الفيروس نشأ في المختبر كتجربة أسلحة بيولوجية”.

أكثر من ذلك ، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها في 11 أفريل: لم يتمكن مسؤولو المخابرات رغم الجهود من العثور على أدلة لنظرية المختبر بعد حسب ماثيو بوتينجر، نائب مستشار الأمن القومي، والذي كان من أوائل المدافعين عن أشارة ترامب إلى الفيروس باسم “فيروس ووهان”.

ترامب، الذي يواجه انتقادات حادة حتى قبل الكورونا والذي تفصله أشهر قليلة عن الانتخابات، ربما يحاول التغطية على فشل حكومته في إدارة الازمة ملقيا اللوم على نظام التغطية الاجتماعي أوباما-كيير وعلى الصين بإعتبار ذلك مخرجا لحفظ ماء الوجه.

اشتبه بوتينجر في البداية في أن حكومة الرئيس شي جين بينغ كانت تخفي سرًا مظلمًا. خلال الاجتماعات والمكالمات الهاتفية ، سأل بوتينغر مختلف مسئولي وكالات المخابرات، بما في ذلك الضباط في وكالة المخابرات المركزية، عن ملفات أسلحة بيولوجية صينية للبحث عن أدلة قد تعزز نظريته ولكن لم يكن لديهم أي دليل إذ لم تكتشف وكالات المخابرات أي إنذار داخل الحكومة الصينية يفترض المحللون أنه سيصاحب التسرب العرضي لفيروس قاتل من مختبر حكومي.

وفي هذه الحرب الاعلامية يتم عادة تجاهل صوت العلماء، فالصين ربما تكون تجاهلت عدة تحذيرات طبية حول خطورة الوباء في بداية انتشار الفيروس لكن الولايات المتحدة تتجاهل عن عمد ربما تقارير العلماء.

جين كيو، الباحث والكاتب، نشر مقالا في مجلة ساينتفيك أمريكان عن فريق مختبر ووهان الذي تقوده شي زنغلي، المعروفة باسم “المرأة الخفاش” الصينية لكونها تعمل على مدى 16 عامًا على جمع عينات من فيروسات الخفافيش في الكهوف وتفكيك تسلسل جينومها.

أمرت شي فريقها بتكرار الاختبارات، وأرسلت في الوقت نفسه العينات إلى مختبر آخر محايد لتفكيك تسلسل الجينوم الفيروسي الكامل، ومرت على سجلات السنوات القليلة الماضية في المختبر الخاص بها في بحث محموم للتحقق من أي سوء استخدام للمواد التجريبية خاصة أثناء التخلص منها.

النتائج كانت واضحة: لم تتطابق أي من التسلسلات الجينية مع الفيروسات التي أخذها فريقها من كهوف الخفافيش.

 

كما تحدث يوان زيمينغ ، نائب مدير معهد ووهان للفيروسات ، مؤخرًا عن إذاعة الدولة الصينية قائلا: “كأشخاص يقومون بدراسة فيروسية، نعرف بوضوح نوع البحث الجاري في المعهد وكيف يدير المعهد الفيروسات والعينات. كما قلنا في وقت مبكر ، لا توجد طريقة يمكن ان ينتج بها مثل هذا في مختبراتنا”.

جيم ليدوك، رئيس مختبر جالفستون الوطني، وهو مختبر للسلامة البيولوجية من المستوى 4 في تكساس، تم تجاهل تصريحه أيضا عندما درس الفرضيات المطروحة واستنتج ان سوقا شعبيا للحيوانات مكان مثالي ليتطور فيه فيروس جديد أكثر من مختبر تماما كما ظهر فيروس سارس وغيره في أسواق.

“صنع في الصين” لا تشمل إجراءات السلامة

هناك فكرة تم ترديدها لفترة طويلة حتى أصبحت أشبه بالحقيقة خاصة لدى الولايات المتحدة ومن يسير في فلكها وهي أن الصين لا تولي اهتماما لمعايير السلامة، ولذلك، عندما تحدثت وسائل إعلام عن تقريرين “تتحفظ عن مصادرها” حول نقص إجراءات الحماية بووهان، بدى ذلك طبيعيا ولا يحتاج لتأكيد.

لكن الواقع أن هناك عشرات التقارير تفضي أن إجراءات الحماية في المختبرات الصينية ليست كافية فقط بل ومبالغ فيها.

كتبت دانييل أندرسون، المديرة العلمية لمختبر كلية الطب ديوك-نوس: “لقد عملت في هذا المختبر الدقيق في أوقات مختلفة خلال العامين الماضيين. من التقارير الإخبارية. يمكنني أن أشهد شخصيًا على الإجراءات الصارمة للتحكم والاحتواء التي يتم تنفيذها أثناء العمل”. أما جيرالد كيوش، أستاذ الطب والصحة الدولية والمدير المساعد للمختبر الوطني للأمراض المعدية الناشئة بجامعة بوسطن، فيشك أن مختبر ووهان يفتقر للكفاءة، حيث يقول: “يعد معمل ووهان (على حد علمي لأنني لم أزره من قبل) أحدث ما توصلت إليه أنظمة وبروتوكولات أنظمة السلامة والأمن، ولأن [مختبر جالفستون الوطني في الولايات المتحدة] ساعد في تدريب العديد من طاقمه وكانوا محترفين مما يجعل احتمال وقوع حادث بعيدًا “.

يقول داسزاك: “البعض لا يريدون أن يقتنعواوا أن هذه حادثة طبيعية مؤسفة. الجزء السيئ الحقيقي هو أنه إذا لم نقتنع بدور المختبرات في مراقبة الفيروسات الأخرى في البرية فإننا سنركز على المختبرات ونغلقها في حين أنها هي التي تحاول تطوير لقاحات لعلاجنا الآن”.

وسواء أكان الوباء نتيجة تطور طبيعي أو حادثة مؤسفة، فإن هناك حاجة ترتفع أهميتها بأنه حان الوقت للاستثمار في دراسة الفيروسات وبناء الأنظمة لمنعها من الانتشار في البشر لأن ما حصل مع كوفيد قد يتكرر مرة أخرى.

 

زياد الماجري

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *