السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / الأخبار الوطنية / وحدة المنظومة التربوية ضمانة لوحدة المجتمع وتأكيد للسيادة الوطنية

وحدة المنظومة التربوية ضمانة لوحدة المجتمع وتأكيد للسيادة الوطنية

تمثّل منظومة التربية والتعليم وما تفرزه من ثقافة ومعرفة ركنا أساسيا لرقيّ الأمم وأداة فاعلة لترشيد المجتمعات وضمان لوحدتها وتحرير الإنسان وتأكيد لمواطنيته وتوعيته وصقل مواهبه وتنمية مداركه. ومنذ الأزل كان التعليم إحدى محرّكات تقدّم الشعوب ورقيّها باعتباره القوة الدافعة للموارد البشرية والكفيل بإحكام التصرّف في المقدرات والثروات الوطنية. ومع تسارع نسق التقدّم العلمي بفضل التعليم، أصبح العنصر الفاعل في خلق الثروة ذاتها ومنطلق التجديد في البحث العلمي وفي إدارة المؤسسات والمرافق العمومية منها والخاصة. لذلك راهنت الشعوب على التربية والتعليم لتحقيق التنمية في أبعادها المتعدّدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية… وتحوّلت منظومة التربية وإصلاحها إلى العربة الجارة والقاطرة الدافعة لمختلف القطاعات والمجالات.

ولقد مثّل قطاع التربية في التجربة التونسية رهانا مركزيا للمجتمع التونسي، وعرفت بلادنا نهضة تعليمية تدريجية وراهنت أساسا على تطوير التعليم وتحديثه ليكون الأساس المتين لترسيخ القيم المجتمعية وتجذيرها وتأكيد انفتاح الشخصية التونسية واتساع أفقها، وكان التعليم صمّام أمان لوحدة المجتمع وتماسكه، وليكون في نفس الوقت السدّ المنيع بوجه الانغلاق والتقوقع أو الانبتات.

ولئن انطلقت تجربة توحيد المدرسة التونسية من رؤية فكريّة عن وضع اجتماعي هيمن عليه الفقر والحرمان والجهل وضيق الأفق المعرفي باستثناء نخبة مثّلت طليعة القوى الوطنية وهي نفسها التي كانت حاملة لمشروع توحيد التعليم، فإنّ هذا المشروع اصطبغ بروح فرنسية هي ذاتها تعاني من انسداد الأفق باعتبار اعتمادها على تمشيات وفق منطق البرامج المغلقة. وقد واصلت مختلف مشاريع الإصلاح التربوي الاستناد إلى نفس هذا التمشي المنغلق، ولم تفلح محاولات “الانعتاق” منه كموروث استعماري مع إصلاح 2002، بل أجبر القائمون على التربية والتعليم على التراجع عن المقاربة بالكفايات إلى وتعديلها و”التوافق” على مقاربة “هجينة” فشلت بدورها في حلّ أزمة المدرسة التونسية لأسباب عدّة ليس المجال لشرحها الآن.

ولا شك أن لكل مرحلة تاريخية خصوصياتها وضغوطاتها هي التي أفرزت السياسات القادرة على التعامل معها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو التربوي، باعتبار أنها عناصر فاعلة في بناء الدولة. وإذا انطلقنا من اعتبار أن المجتمع التونسي جسد حيّ ومتيقّظ لكل ما يدور حوله وطنيا وإقليميا ودوليا، فعليه أن يكون في قلب حركة الفعل على أساس التفاعل الدائم والأخذ والعطاء والتأثير والتأثر ويستند في ذلك إلى ثوابته وقيمه، في نفس الوقت الذي ينظر فيه بروح نقدية إلى الموروث السابق ويتطلّع إلى تونس جديدة عبر فهم الحاضر وتفاعلاته واستشراف المستقبل ورهاناته. ولضمان ذلك، فإنّ المجموعة الوطنية مدعوة إلى التمسّك بوحدة النظام التعليمي على أساس مدني وفق متطلبات التنمية الشاملة، وبما يلبي متطلبات المصلحة الوطنية ويستجيب لتطلعات التونسيين حاضرا ومستقبلا. لذلك فإنّ المرحلة المقبلة تتطلب البناء على المكتسبات التي تحققت خلال التجربة التونسية في مجال التربية والتعليم ضمن إطار موحد استعداداً للمستقبل الذي يتطلب نظاماً تعليمياً قادراً على تحقيق الأهداف الوطنية ضمن إستراتيجية واضحة المعالم.

وتتأسس هذه الإستراتيجية على مبادئ التجانس والمردودية والنجاعة والفاعلية وفق المعايير الدولية لجودة التعليم، وأن تعميم نموذج المدرسة التونسية على مستوى الدولة يهدف إلى تقديم نموذج رائد للتعليم بمناهج منفتحة والقطع مع تمشيات البرامج، والتركيز على المهارات ومسارات اكتسابها وأساليب تقييمها، وإرساء نظام تعليمي يتميز بالمستوى الرفيع من منطلق الإيمان بأن أبناء تونس العدالة الاجتماعية هو المورد الأهم الذي يمكن أن تنبني عليه التنمية العادلة.

وفي تقديري أن المحافظة على وحدة المنظومة التربوية وتعميم نموذج المدرسة التونسية منوط أساسا بعهدة الدولة، باعتبار أنه يحقّق الإنصاف بين التونسيين في مستوى التعليم وجودته بما يتيحه من تكافؤ للفرص بين الجميع، مع التأكيد على مبدإ التمييز الإيجابي للمناطق والأفراد والمجموعات الأقل حظوة، وهذا من شأنه أن ينعكس بلا شك على متانة النسيج الاجتماعي وضمان تجانسه.

ومن هذا المنطلق تصبح مسألة المحافظة على وحدة المنظومة التربوية وتعميم نموذج موحد للمدرسة التونسية هو مبدأ أساسي من مبادئ سيادة الوطنية، ويكون دورها مفصليا في صيانة الهوية الوطنية للتونسيين وبناء شخصية التونسية. وعندها تكون المنظومة التربوية الموحِّدة والموحَّدة قوة دافعة أمام التحديات التي تواجها بلادنا وتقطع مع التفرقة والتشتت أو اعتماد المشارب التعليمية الغريبة عن الواقع التونسي.

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *