الأحد , 9 ديسمبر 2018
الرئيسية / حتى لا ننسى / نضال المدينة المنسية : ذكرى معركة جبل برقو 

نضال المدينة المنسية : ذكرى معركة جبل برقو 

هنا مديني الصغيرة «برقو» بعيدًا في داخل البلاد وفي أعالي الشمال الغربي التونسي، مهملة كغيرها من المدن الداخلية ترى ما بداخلها من الإهمال والبؤس، حيث تتحوّل المصطلحات التي تملأ الصحف والإذاعات والمواقع الإخبارية من قبيل الفقر والبطالة وغياب التنمية وسوء البنية التحتية إلى صور حيّة، وواقع يوميّ يعاني منه آلاف المتساكنين.

هذه المدينة يحيي أبناؤها هذه الأيام بكل فخر واعتزاز الذكرى الرابعة والستين (64) لمعركة جبلهم الشامخ ملحمة جبل برقو، التي وحدت التونسيين من بنزرت إلى بن قردان ضد العدو المستعمر، قبائل المثاليث والفراشيش وأولاد عيار وأولاد عون وغيرهم، كلهم كانوا يدافعون عن تونس ، ولا شيء غير تونس ، لذلك انتصروا على العدو الفرنسي الذي قهرته إرادة شعب أراد الحياة بعزة.

شعب تزعمه أفراد من عامة الناس سكنوا الجبال الوعرة، ونعتوا بالفلاقة، من شمال ووسط تونس وجنوبها عمال مناجم وفلاحون تشبّعت أياديهم بتراب أرضهم، يجنون رزقهم اليومي بعرق جبينهم. إلّا أنهم استطاعوا حمل السلاح والقتال تلبية لنداء الوطن، ولاستقلاله. رفعوا لواء الثورة المسلحة لتوضع فرنسا وحكومتها أمام الأمر الواقع أن بقاء الحال من المُحال، خاصةً بعد ما لحقها من نكسات عسكرية في حرب فيتنام. فتتالت عديد المعارك الجبلية خلال الفترة الفاصلة بين ماي وأكتوبر 1954، وتوسعت المقاومة جغرافيًّا وبشريًّا، وانضم لجبل برقو العديد من الثوار من قبائل وعروش أخرى. كما شارك فيها بعض الجنود التونسيين حاملين معهم بنادقهم الحربية، والتحقوا بصفوف المقاومة.

أخذ المقاومون من جبل برقو فضاء لنشاطهم، منذ مارس 1953 و تنظمت المقاومة المسلحة و وجهت عملياتها ضد المعمرين المتعاونين مع منظمة اليد الحمراء مثل : موصاك و قرنيز و كريوس وضمت مجموعتهم نحو 84 مقاوماً، 36 منهم من أبناء برقو، وانقسمت أفواج المجاهدين إلى أربع مجموعات، أولها مجموعة بقيادة بلقاسم بالبوصي، ومركزها كاف الأحد بجهة الربع، وثانيها مجموعة الهادي التركي بكاف الظل بجبل بوتيس، وثالثها مجموعة بقيادة بلقاسم الجليطي ويساعده صالح بوطبة، وهو من جند الباي، ومركزها كاف الخويجة بدشرة بلوطة، ورابعها مجموعة الهادي بلباهي والهادي بلعباسية وتمركزت بالبحيرين.

أما القيادة العامة فقد كان يشرف عليها سالم الورغمي أصيل مدنين و أحد الجنود الفارين من جيش الباي، وعين في هذه المهمة بإيعاز من الحزب الدستوري الجديد.

دارت الملحمة من 8 إلى 13 نوفمبر 1954، وكتب المجاهدون الثماني عشر (18 ) أسماءهم من ذهب، وخلدوا معركتهم في التاريخ (الربع ساعة الأخيرة الحاسمة) التي أرغمت فرنسا الدخول في مفاوضات الاستقلال، ورفرف العلم الوطني التونسي الذي يغطي أجزاءً كبيرة منه الأحمر القاني، تجسيدًا لتلك الدماء الطاهرة لشهداء الحراك الوطني، الذين اختاروا طريق الكفاح والتضحية والشهادة في سبيل تحرير هذا الوطن، من أجل بقائه واستمراريته إلى يومنا هذا.

 

 

هذا النضال من أجل استقلال تونس كافأته الانظمة المتتالية وعلى مدى ستين عامًا بزيارة وزير أو كاتبه ، وبنص رتيب في الجرائد والنشرات الإخبارية التلفزيونية والإذاعية: بتكليف من فخامة الرئيس، أشرف السيد الوزير اليوم بقاعة الاجتماعات بمعتمدية برقو من ولاية سليانة على اجتماع عام إحياء لذكرى معركة برقو الخالدة.

وثمن السيد الوزير بالمناسبة حرص فخامة الرئيس على تكريس قيم الوفاء والعرفان بالجميل للأجيال المتعاقبة من الشهداء، والمقاومين، والمناضلين الأبرار الذين قدموا التضحيات الجسام في سبيل تحرير تونس من الاستعمارـ ودعم مقومات عزتها ومناعتها وسيادتها.

فهل يا ترى غاب عن أعين السادة الوزراء ممن زاروا برقو أن بنيتها التحتية في حالة سيئة للغاية، أم غاب عن أذهانهم أن سجلها النضالي أمام الاستعمار لم يشفع لها حيث غيّبت تمامًا عن المدّ التطوري الذي شهدته العديد من المدن الأخرى؛ لذلك لازمها التهميش والنسيان، فلأكثر من نصف قرن وسكانها يمنون النفس اللحاق بقطار التنمية.

مدينتي التي أعشقها لا يعرف أحد تفاصيل معاناتها سوى أهلها الذين فضل بعضهم التعايش مع الوضع القائم، بينما اختار بعضهم الآخر الهجرة للمناطق الساحلية، أو العاصمة. وكأن قدر شبابها إما الرحيل إلى المدن الكبرى بحثًا عن لقمة العيش، أو الاكتفاء بما توفره إدارة المعتمدية من أيام معدودات في الحضائر، وأما البقية فالمقاهي ملاذهم الأول والأخير، يقتلون وقتهـم فيما لا طائل من ورائه جلوسًا طيلـة اليوم كالعجزة راصدين كل غاد وراح.

هل نتحسر أننا عقدنا الآمال على حكومات ما بعد الثورة فلم نصب إلا وعودًا، أو مشاريع مفرغة تكاد لا تختلف في شيء عما كانت تعده مختلف حكومات النظام البائد في تجزئة المشاريع للتبجح بكثرة عددها، وفي تفتيت الموارد المالية في برنامج صغيرة وضئيلة لا تخرج عن منطق البرامج الرئاسية المتمحورة كالمعتاد حول: إصلاح وصيانة التجهيزات الجماعية والصحية والتربوية، صيانة بعض الطرقات، وتعبيد بعض الكيلومترات، بعض المسالك فلاحية، وبعض البحيرات الجبلية، والتنمية الريفية المندمجة.

ستتواصل معاناتنا في ظل هذه الحكومة ، فلا تنتظروا منهم سوى زيارة يستحضر فيها السيد الوزير أحداث معركة برقو الخالدة وسياقاتها التاريخية، مكبرًا الروح النضالية العالية والوطنية الصادقة لأبناء المنطقة، من أجل الحرية والكرامة، ويتحول رفقة والي الجهة والمسؤولين وعدد من المقاومين والمناضلين إلى روضة الشهداء بعين بوسعدية، حيث يضع أكاليل الزهور على الأضرحة، ويتلو ومرافقوه فاتحة الكتاب ترحمًا على أرواح شهدائها وأحيائها المنسيين.

المراجع التاريخية :

* الشهادات الشفاهية

* محاضرة للدكتور فتحي العايدي المؤرخ بالمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية

 

إستشهد 18 مجاهدا، في ما يلي أسمائهم :

 

الشهيد الصادق بلحاج من قلعة الاندلس

الشهيد العربي العيساوي من قلعة الاندلس

الشهيد الصادق رهيط من قلعة الاندلس

الشهيد حمدة العيساوي من قلعة الاندلس

الشهيد سالم الورغي من مدنين

الشهيد محمد سلامة من عوسجة

الشهيد الطيب العتروس من الكنايس

الشهيد علي الڨمودي من المكناسي

الشهيد علي الڨيزاني من جبل البرج

الشهيد عمار الرحيمي من الافراش

الشهيد الهادي الرحيمي من الأفراش

الشهيد أحمد الغانمي من المكناسي

الشهيد الطيب بن علي من جلمة

الشهيد محمد الصغير البرڨاوي من برڨو

الشهيد البشير الڨندولي من المكناسي

الشهيد عبد النور اليحياوي من برڨو

الشهيد عمر الشابي

الشهيد المستوري بن حسين

رحم الله شهداء الوطن

 

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *