الأربعاء , 23 مايو 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / نريده خطابا سياسيا خاليا من صنم الأديولوجيا

نريده خطابا سياسيا خاليا من صنم الأديولوجيا

نحتاج لخطاب سياسي خال من صنم الأديولوجيا و “دونكيشوتيات” المقدس …لحوار متكافئ أساسه الاختلاف في الرأي بأسلوب راق ، هل يستحيل الطلب في زمن طغى فيه الإحتراب الهووي و الإنقسام المجتمعي ؟
أُبتلينا أولى ساعات الإنعتاق من الإسبداد بهيمنة ما يسمى “ثقافة القطيع” التي ساهمت بشكل رئيسي في تعميق الانقسام وتعظيم الخلافات وظهور ما يعرف بـ “الاستقطاب السياسي والمجتمعي الحاد”.
ينشأ التونسي عادة في بيئة ذات عقيدة مخصوصة وعادات معينة فهو لا يكاد يفتح عينيه للحياة حتى يرى أمه وأباه وأهل بيته وأقرانه يطيعون شيخًا أو يقدسون صنمًا أو يهيبون رجلًا من رجال التاريخ أو الحاضر وينسبون إليه كل فضيلة وكل حكمة وعقل.
البعض ينمو في هذا الوضع حتى يصبح كأنه في قالب وهو لا يستطيع أن يفكر إلا في حدود ذلك القالب إنه مقيد ويحسب أنه حر، إنه تابع ويحسب أنه متبوع.
فنحن أمام سلوك بشري يحيّد منحة العقل التي وهبها له الله وميزه بها عن القطيع الذي يسير بلا فكر ولا قناعة ولا هدف لأنه سلم زمام أمره لمن يفكر ويقتنع ويخطط للهدف بالنيابة عنه.
“ثقافة القطيع” كما يراها العديد هي استبعاد العقل وغياب المنطق وهيمنة الهوى وشخصنة المواقف وتحول الاختلاف في الرأي إلى جدال عقيـــم وتمترس كل فريق وراء مواقفه والانحياز الأعمى للفصيل الذي ينتمي إليه كل فرد ذلك ليس عن قناعة بقدر ما هو نكاية في الطرف الآخر بغض النظر عن الأفكار والقيم و الدين.
وفي ظل هذه “الثقافة القاتمة” يكثر التلاسن والتنابز بالألقاب وتبادل الاتهامات بالتآمر والخيانة والعمالة و تبرير التشويه المتبوع غالبا بالتكفير أو التخوين ، وفيها أيضًا يهوى مستوى الحوار لمستنقع سحيق تستخدم خلاله أسوأ العبارات والألفاظ والأخطر في ذلك توسع ظاهرة “إذا لم تكن معي في الرأي فأنت خصمي وعدوي هذا إن لم تكن عدو الله …”
أصبح شباب الأحزاب والتوابع يتعاملون معها وكأنها عرف اجتماعي فالشأن السياسي يشكل لدينا هاجسًا كبيرًا في أن نتحدث فيه بإطناب وعندما نختلف في وجهات النظر يتحول خلافنا إلى صدام و حروب من قبيح النعوت و الكلام.
التفكير الإقصائي للأسف ظاهرة ملموسة في تدوينات الوسائط الإجتماعية فكثيرًا ما نرى من يلجأون إلى الإقصاء لمجرد وجود اختلاف في الرأي حيال موقف سياسي أو فكري أو حتى تصويت نيابي لمشروع قانون.
للأسف لقد نشأت مجتمعاتنا على ثقافة يسود فيها الشقاق و مخالفة كل ما يعارض أفكارنا وتفكيرنا وميولنا وقد ترسخت تلك الثقافة في لاشعور الفرد نتيجة للركود والتأخر الذي عرفناه وللتأثير السلبي للأنظمة التي سادت ولا تزال تسود أو حتى المستجدة بالإضافة إلى الزعامات السياسية الأحادية والمهيمنة والديكتاتورية التي حكمت ولا يزال معظمها يحكم أو المعارضة فالكل في واحد والواحد هو الزعيم الملهم المسيطر المفوه ذو الكاريزما الطاغية.
نحن ببساطة لا نعرف كيف نختلف أو حتى نتفق ومن ثم علينا صراحة إعادة النظر في ثقافة الحوار لأننا أمام كلمات ليس ككل كلمات تهدد لغة الحوار إن لم تضعها في دائرة الحظر كلمات مثل مخطئ، ضدي، خصمي، عدوي ، خائن ، كافر ، هذه الكلمات هي الخيارات الأكثر احتمالاً لأن تكمل عبارة “إذا لم تكن معي، فأنت…”
تستطيع أن تتحاور معي وتكسب قضيتك دون إهانتي وفي هذه الحالة لم تفسد للود بيني وبينك مكانة وقد تتمكن من إقناعي بوجهة نظرك حتى لو أوصلتني إلى مرحلة الخجل من حوارك وأصبحت مقتنعًا برأيك وأدافع عنه أيضًا كما أن انعدام الود يفسد للرأي قضية فقد يكون رأيك مطابقًا لرأيي ولكنك تخالفه عمدًا بسبب انعدام الود بيني وبينك فتعارض نفسك وتعاندها لمجرد أنك لا تريد أن تتفق معي.
يجب أن نؤمن (أنا وأنت) بأن قبول ثقافة الآخر المختلف لا يعني بالضرورة الاقتناع بها إنما هو إقرار بوجود الاختلاف معها وبوجود هذه الثقافة وقبولها من قبل الآخر وأن الخلاف في الرأي يجب ألا يفسد الود وأن مناقشة الأفكار أجدى وأكثر فائدة من اعتقال الآراء وأنه إذا أشار إصبع إلى القمر فالأغبياء وحدهم هم الذين ينظرون إلى الإصبع.
والحل الأمثل هو سعي قيادات الأحزاب و رموزها لتنمية ثقافة الاختلاف خاصة لدى الأجيال الجديدة فهي وحدها القادرة على فتح آفاق رحبة لنا جميعًا في تقبل الآراء الأخرى والاستفادة منها بل وتحويلها إلى فكر مستنير تشترك فيه عقول مختلفة تكون على يقين تام بأن تواجدها وجلوسها وتحاورها من أجل التفاهم وإيجاد الحلول لمشاكل الوطن مع الاحترام المتبادل لجميع الآراء.
الحل لا يأتي إلا بنفوس صافية وصادقة، وقلوب رحيمة متسامحة، وعقول نيّرة ومتفهمّة وآذان صاغية متقبلة لآراء الآخرين تخلق مناخًا تشترك فيه كل الأطراف لحوار مثمر يعود بالنفع على الجميع ويساعد على إقامة حس مجتمعي تكافلي وبذلك يسهل عملية التواصل الداخلي بين أبناء الوطن، ويغذي ثقافة كثيفة متماسكة ويمدها بأسباب الحياة.

عصام الدين الراجحي
عضو المجلس الوطني للتيار الديمقراطي

 

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *