الجمعة , 23 أكتوبر 2020
الرئيسية / الأخبار الوطنية / نادر الطالبي: “إعدام ميت”

نادر الطالبي: “إعدام ميت”

تتواصل حالة التجاذب على مواقع التواصل الإجتماعي بين مؤيدي حكم الإعدام والرافضين له وقد تفجرت هاته النقاشات عقب الجريمة البشعة التي أودت بحياة الفتاة رحمة رحمها الله. لن أخوض في حجج الراغبين والرافضين للإعدام فكلاهما أسهب في الإقناع بحجج دامغة وكلاهما نظّر لدراسات علمية و مواثيق دولية و بحوث سوسيولوجية. وكلا الطرفين يصر على مقاومة العنف على طريقته السلمية و الردعية. ولكن ما يلفت الانتباه ونحن نتابع هاته الخطابات الحماسية هو تفشي خطاب العنف والكراهية بشكل غير مسبوق بين كل الفئات وما أشبه تونس اليوم بفرنسا ما بعد ثورتها خطابات التقسيم والتصنيف تنتشر بين صفوف الشعب الكريم ولا ينقصنا الا “روبيسبيار” تونسي يقودنا لسنوات الإرهاب المقصلي. فمن يساند حكم الإعدام يعتبر خصومه ممن يرفضونه بأنهم يبيضون الإرهاب أو يشجعون الإغتصاب أو تجار حقوق إنسان وأما من يناصرون حقوق الإنسان ويرفضون حكم الإعدام فيعتبرون الشق الآخر رجعيين ظلاميين ولا تختلف هنا العامة عن النخبة ولا نفرق بين الجاهل و المتعلم، وتتكرر هاته المشاهد كلما طفا على السطح موضوع خلافي إلا وأتحفنا شعبنا الذي أبهر العالم بنقاش حضاري يعكس الرقي و الثقافة المنتشرة في ربوع بلدنا. وشهدنا هذا خلال أزمة المساواة في الميراث سنة 2017 (يصر البعض على أنها مساوات) ونشهده في كل عملية إرهابية و تمادى الأمر حتى وصلنا للتشفي في المرض و الموت وماذا بعد هذا فهكذا أخلاق لو ظهرت في الجاهلية لاستنكرتها العرب و نبذوا أصحابها. ولكنهم جزء من أبناء شعبنا، يتغذى على العنف ثم يستنكره إذا مورس عليه.

ولعل أفضل صورة تختزل المأساة التي نعيشها صورة مجلس نوابنا الموقر فقد شهدنا السنة النيابية الماضية و التي بفضل وباء الكوفيد 19 كانت مختصرة ولكنها حافلة بكل ألوان العنف و التهريج. فتعاكض نوابنا طويلا تحت قبة المجلس دون أن يضعوا في الحسبان مصلحة البلد والمواطن، فرأينا التراشق بالتهم والتخوين والسب و الثلب والإعتصامات والإعتصامات المضادة وواصلت كل فرقة شحن جماهيرها وحقنها بجرعات من الكراهية ونبذ الآخر، وإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص فلماذا نتسائل عن العنف وهو فينا يعيش و يتعايش معنا يدخل بيوتنا من التلفاز و المذياع و من النافذة و من النخبة و الطبقة السياسية إلا من رحم ربك ولا أعمم.

في حين تغرق بلدنا إقتصاديا و تتهددنا أزمة صحية تواصل النخبة و الشعب تقسيم المقسم و تجزئة المجزأ حتى صارنا غرباء عن بعضنا لا نرى فينا إلا إختلافتنا التي زرعها فينا بعض السياسويين وقد تناسو هؤلاء أن روبيسبيار حين زرع العنف في الثورة الفرنسية و نصب المقصلة لخصومه انتهى به الحال عليها.

فما أحوجنا لثورة جديدة ثورة فكرية تنويرية أخلاقية حينها سيختفي العنف من شوارعنا ولن نكون في حاجة لنقاشات مطولة حول جدوى حكم الإعدام.

نادر الطالبي

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *