السبت , 28 نوفمبر 2020
الرئيسية / مقالات و آراء / مقومات الديمقراطية الحقيقية

مقومات الديمقراطية الحقيقية

لا شك أن مفهوم الديمقراطية أوسع من الانتخابات التى تجرى مهما كانت فلسفة القانون الانتخابي المعتمد، الأساس أن لا تنقلب نتائجها الى احساس المواطنين بديكتاتورية الأغلبية التى تحكم، بل أن تحافظ على الحقوق وثوابت الحريات الشخصية التى يحترمها الجميع، وحق الأفراد فى اختيار أنماط العيش التى يفضلونها.

الديمقراطية الناشئة التونسية لا تزال فى بداية طريقها عبر ترسيخ ثقافتها وثوابت استدامتها عند العامة. فى المقابل هناك إخطار عديدة تهدد مسارات الديمقراطية نقرأها من التجارب العالمية للشعوب تتلخص فى نقطتين الأقرب ما يكون للتجربة التونسية التى أفرزتها هذه المرحلة، وهى خطر يتعلق بأضعاف مفهوم التعددية.

هيمنة الحزب الواحد

تجربة حصلت فى الأرجنتين تحت غطاء الديمقراطية حيث أصبح يفوز الحزب البيرونى بالرئاسة بغض النظر على المرشح، شعبية الأكثرية للحزب جعلتها بلا منافسة تحصد الاصوات لمرشحها بغض النظر على برامجه أو حتى شعبيته الشخصية، كما حصل مع عشرية كارلوس منعم بين سنة 1999-1989 …حيث قال أحد علماء السياسة مقولته الشهيرة أنه “لا يمكن إقامة نظام ديمقراطى طبيعى فى الأرجنتين الا عند حظر الحزب البيرونى لان الارجنتينيين سيصوتون لمرشحه بسبب شغفهم بزعيمه الراحل خوان بيرون زعيم الفقراء والطبقات الوسطى. الذى انتخب ثلاثة مرات ثم خلفته زوجته ايزابيلا بيرون بعد وفاته سنة 1974.

إذن يجب أن تتوفر مقومات الديمقراطية قبل تطبيقها فى اى بلد حتى لا تصبح مزحة تنقلب إلى جنون يهدد كيان الاوطان وتماسكها الاجتماعى.

هيمنة الزعيم الملهم

وخاصة فى المجتمعات الشرقية وثقافتها السائدة حيث الأفراد تميل إلى تقديس الأشخاص والموالاة للقائد الملهم على حساب المؤسسات والبرامج والرؤي المستقبلية، والمثال هنا يأتينا باسم الديمقراطية من بلد شرقى حيث فاز قائده الملهم فى أحد الدوائر الانتخابية بنسبة 101%، وحين سأل أحد المسؤولين كيف يمكن هذا، اجاب “لقد صوت له الشهداء!!!”

جنون السلطةفي الشرق

إذن ما هى الحلول المناسبة للمرحلة القادمة فى تونس من أجل المحافظة على مقومات الديمقراطية الناشئة؟

اولها تأسيس وتثبيت الهيئات والمؤسسات الدستورية، لأنها المناعة التى يجب أن تكتسبها كل ديمقراطية ناشئة مهما كانت الاوطان والثقافات والشعوب. للأسف اخفقت التجربة التونسية إلى الآن فى تأسيس المحكمة الدستورية والهيئات الأخري.

ثانيا الارتقاء بالوعى المجتمعى وترسيخ الثقافة التعددية فى مناخ سياسي سليم يؤمن بالاختلاف والتنافس الشريف بين الأحزاب على السلطة. وهذا ليس فقط دور الأحزاب والسياسيين والحكومات بل دور جماعى لكل مكونات المجتمع من نخب ومثقفين، اعلام ومجتمع مدنى وفنانين وغيرهم ….

اخيرا اهم عنصر لنجاح الديمقراطية هو وجود دولة متماسكة قوية بمؤسساتها تفرض القانون على الجميع، دولة لا تتأثر بالحكومات والأحزاب والأشخاص واللوبيات المالية. دولة ثابتة ومستدامة تحمى الحقوق والحريات وتضمن العدل والكرامة لمواطنيها ولها القدرة على الحفاظ على أمن مواطنيها واستدامة مؤسساتها حتى فى غياب الحكومات جراء الأزمات السياسية وغيرها، مثل سنة 2018 الذى ابتدأ بدون حكومتين فى دولتين أوروبيين. ايرلندا الشمالية وألمانيا الاتحادية.

كذلك الشأن مع بلجيكيا حيث سُجِّلت أطول مدة لغياب حكومة منتخبة في ديمقراطية قائمة؛ وهذا رقم قياسي بعدما دب الخلاف في عامي 2010 و2011 بين شخصيات سياسية متنازعة، الأمر الذي قاد إلى فراغ حكومي استمر 589 يوما. العبرة أنه مع غياب الحكومات لم تنهار الدولة ولم يواكبها انهيار الخدمات العامة وبقى أفراد الشعب يمارسون حياتهم بشكل عادى.

هذا ليس حلما وليس مستحيل فى تونس، فكل المؤشرات وتركيبة المجتمع التونسي تدل انه مهما حصل فى هذا الوطن من ازمات سياسية يبقى الحلم قائما، فتركيبة التونسيين موحدة، وثقافة هذا الشعب تعتبر مفخرة وجمال الوطن وموقعه وتاريخه وحضارته مكسبا يجب علينا كلنا أن نعتز بهم ونواصل عملية الإصلاح والبناء مهما طالت المسافات بكل ثقة وثبات ….

مقال مقتبس من أفكار لقراءة واسعة لعديد المقالات بحثا عن الإجابة لسؤال من موطن سياسى فى حبرة على وطنه “ماهى احسن التجارب الديمقراطية المعاصرة؟’

حافظ غربي يحمدى

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *