الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية / الإقتصاد / مشروع قانون المالية 2018: غياب الرؤية الإقتصادية الإجتماعية

مشروع قانون المالية 2018: غياب الرؤية الإقتصادية الإجتماعية

مشروع قانون المالية 2018 صيغ بمقاربة تقنية محاسبية و غابت عنه أي رؤية وتصوّر إستراتيجي ذَا بعد إقتصادي و إجتماعي يمهّد الطريق لإنتعاش إقتصادي و يفتح آفاق لخلق الثروة ومراكمتها، وجاءت الإجراءات المقترحة فيه دون خطّ توجيهي أو بوصلة واضحة تعكس إرادة سياسية حقيقية للخروج من الأزمة الإقتصادية الراهنة.
التوجُّه المعتمد كانت تنزيل لبعض ما تعهّدت به الحكومة لدى المؤسسات المالية المانحة وظهر مشروع القانون أقرب منه إلى عملية إخراج محاسبية بنيت على هاته الفرضيات أو التعهّدات :
– تقليص نسبة العجز في الميزانية ( 4,9% من الناتج المحلي الخام)
– تقليص كتلة أجور القطاع العام
– الحدّ من تدخّل صندوق الدعم
– تغطية العجز في الصناديق الإجتماعية.
وبناء عليه تخندقت الحكومة في زاوية البحث عن موارد إظافية بأسهل الطرق حتى و إن كانت غير ناجعة و مضرّة بالإقتصاد الوطني من الناحية الكلية، و بدت كمن يبحث عن حلّ سريع و عبثي لا يتلائم مع المشكل الحقيقي،
فأهم الإجراءات تمحورت حول تطوير الموارد من خلال الزيادة في الضرائب،
التي ستشهد إرتفاع هام في قيمتها بنسبة 10,5% و ذلك لتوفير 2000 مليون دينار إضافية :
– خصم 1% على الدخل لصالح الصناديق الإجتماعية
– الترفيع في الأداء على القيمة المُضافة
– الترفيع في المعلوم على الإستهلاك
– الترفيع في المعالم الديوانية
– إخضاع العقارات السكنية للاداء على القيمة المُضافة
– الترفيع في المعلوم على التأمين في الملاحة الجوية و البحرية
– إحداث معلوم 3 دنانير على كل ليلة مقضاة في الفنادق السياحية
– الترفيع في الطابع الجبائي الموظف على خدمات الهاتف
– الترفيع في معاليم التسجيل و في معلوم الطابع الجبائي الموظف على العقود و الكتابات و الوثائق الإدارية
– الترفيع في المعاليم الموظفة على الفواتير و السندات التجاري و التصاريح الديوانية

الإنعكسات السلبية
إنّ الأعباء الجبائية التي تريد توظيفها الحكومة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ستمسّ كل فئات و شرائح المجتمع و ستمثل عبأ إضافي ثقيل على الفئات الضعيفة و المحرومة.
و بالرجوع إلى الباحث الإقتصادي الشهير جون ماينار كينز، المختصّ في السياسات المالية للحكومات و علاقتها بدفع النمو و كيفية خلق إنتعاشة إقتصادية من خلالها (١)، و ما يتوجّب القيام به في حال الدول التي تشهد مثلنا ركود إقتصادي و بطالة مرتفعة، نستنتج أنّ قانون المالية جاء على النقيض تماما و حمل في طياته عكس ما يجب القيام به،
فهاته الإجراءات في مشروع قانون المالية ستزيد من إرتفاع الأسعار و نسبة التضخم و ستحدّ من المقدرة الشرائية، المنهارة أصلاً بسبب إنهيار سعر صرف الدينار، ممّا سيأثر سلبا في النهاية على الإستهلاك و بالتالي أقل طلب على السلع و الخدمات المعروضة و يكون عائق حقيقي أمام النمو الإقتصادي لان إنكماش الإستهلاك سيصحبه إنكماش في الإنتاج،
ممّا سيزيد في حالة الإحتقان الإجتماعي و الإحباط المخيّمان على المجتمع.
و هنا أكثر من سؤال يطرح على واقعية و مصداقية نسبة النموّ لسنة 2018 المقدّرة حسب الحكومة ب3%.
إنّ مبدأ العدالة في الجباية يفترض أن يساهم فيها كل فرد وفقا لقدراته و دخله، و كلّما إزداد الدخل العدالة تفترض أن تزداد قدرة المجهود و المساهمة الضريبية، و هذا يتعارض مع فلسفة الجباية الغير مباشرة لأنه كلّما زاد الدخل كان الجهد فيها أقلّ أهمية ممّا يجعلها جباية غير عادلة بطبيعتها، و تركيز معظم الإجراءات عليها هو تكريس لغياب العدالة الجبائية و ظلم إجتماعي إظافي يسلّط على الفئات الضعيفة و الفقراء و محدودي الدخل، في الوقت الذي يعرف فيه الإقتصاد ظاهرة الإقتصاد الموازي المقدّر بنصف الناتج الخام و التهرّب الضريبي للشركات المقدر ب4000 مليون دينار حسب البنك الدولي أي ضعف الموارد التي تسعى لتوفيرها الحكومة من خلال الإجراءات الجبائية في مشروع قانون المالية 2018، فالموارد الجبائية الغير مباشرة ستشهد تطوّر كبير غير مسبوق بنسبة 20% لتمرّ من 12549 م.د إلى 15099 م.د.

الحلول تطلّب إرادة سياسية
يفترض في قانون المالية أن يعكس السياسة المالية لأي دولة و كيفية التصرّف عبر أدوات الميزانية (الإنفاق العام، الدين العمومي، الضرائب، الإستثمار العمومي) للتأثير على الحالة الإقتصادية، فإقتصادنا الوطني يعيش أزمة خانقة يمكن تشخيصها في ركود النموّ الإقتصادي و البطالة المرتفعة و التفاوت بين الجهات، أزمة تتطلّب من السلطات إرادة سياسية لوضع سياسة إقتصادية وطنية بعيد عن الخضوع لإملاءات خارجية ليبرالية و لدكتاتورية المؤشرات الإقتصادية المسقطة التي تسلبنا سيادتنا و مساحة تصرُّفنا في جميع الحلول الممكنة وفق منظورنا و مصالحنا الذاتية، بلادنا بحاجة لسياسة موازنات مالية طوعية لتنشيط الدورة الإقتصادية و دعم النموّ من خلال دفع الإستهلاك و مساعدة القطاعات ذات القدرة الكبيرة على التشغيل (الصناعة و الفلاحة و التكنولوجيا الحديثة)، و خاصة الإستثمار العمومي في المشاريع الكبرى في البنية التحتية و الطاقات البديلة، حتى ندفع القطاع الخاص أن يخرج من إنكماشه و عزوفه و يستثمر في المناطق الداخلية و في القطاعات ذات القيمة المُضافة و القدرة التصديرية.
_____
(١): كتاب النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود

شكري الجلاصي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *