الإثنين , 10 أغسطس 2020
الرئيسية / مقالات و آراء / مراجعات في الشّأن الدّينيّ: الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 4/4

مراجعات في الشّأن الدّينيّ: الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 4/4

إشكاليّات دستوريّة وإعلاميّة

حازت مقالاتنا الثّلاث السّابقة انتباه السيّد وزير الشّؤون الدّينيّة الذي شرّفني الخميس 2 جويلية 2020 بلقاء مطوّل ناهز 150 دقيقة معيّة فريق من إطارات الوزارة بغاية مناقشة مضامينها في سابقة قلّ نظيرها. وقد ارتفع مستوى النّقاش عاليا في قضايا قانونيّة وإداريّة وبرامجيّة وحتى كبرى القضايا الفكريّة المطروحة بالسّاحة.. جلسة رائقة وعميقة تدفعني للخوض في هكذا مسائل أرى أهمّيتها وها أنّ اللّقاء يؤكّد ذلك..

1. إشكاليّات دستوريّة

أ. الدّينيّ والمواطنيّ

يتبيّن للدّارس أنّ ثمّة تضاربا بيّنا بين قيم الدّستور من جهة أولى وأحكامه من جهة ثانيّة، وأحكام الدّستور من جهة ثالثة وتنزيلاته من جهة رابعة.. التّعارض بين قيم الدّستور وأحكامه نلحظه في الفصل 74 المقرّر: “التّرشّح لمنصب رئيس الجمهوريّة حقّ لكّل ناخبة أو ناخب تونسيّ الجنسيّة منذ الولادة، دينه الإسلام” شرط يستبطن ومن داخل النّصّ تناقضا إذ يُخرق عموم “حقّ لكلّ ناخبة أو ناخب تونسيّ” بخصوص “دينه الإسلام”! فصل دستوريّ يُناقض ما تقرّر بالتّوطئة المؤكّدة على أنّ الدّولة تضمن “المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات” ويُعدّ شرط الدّين خرقا للفصل2 من باب المبادئ العامّة النّاص على أنّ: “تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة” فضلا عن خرقه لمبدأ أساسيّ بباب الحقوق والحرّيات: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز” المضمّن الفصل21..

ذاك التّناقض ليس الوحيد إذ نلمس آخر بين الحكم الوارد بالفصل 78: “يتولّى رئيس الجمهوريّة بأوامر رئاسيّة تعيين مفتي الجمهوريّة التّونسيّة وإعفاءه” وموقع “ديوان الإفتاء” ضمن التّنظيم الإداريّ للدّولة والمتنزّل تنظيميّا وماليّا ضمن مصالح رئاسة الحكومة وهي مفارقة غريبة حريّ بالمشرّع تفكيك تناقضها!

ب. حريّة المعتقد والضمير

دستوريّا تتحصّن الإتّفاقيّات الدّوليّة المصادق عليها بعلويّة على التّشريعات والتّراتيب المناقضة لها. وتضع تونس نفسها بذلك ككلّ الدّول في مواجهة اتفاقيّات عالميّة وقاريّة وإقليميّة لحقوق الإنسان المتعلّقة بالحريّة والمعتقد والضّمير. حقوق أضحت من القدسيّة المانعة للحدّ منها وهو التّوجّه الذي نحاه الدّستور التّونسيّ حين حصّنها بمنع تعديلها. ويبدو أنّنا نهضم “الآخر” سريعا فلا من احتجاج على غزو البروتيستانت للمسيحيّة في تونس رغم أنّ علاقة الدّولة تنظيما بالكرسيّ الرّسوليّ في دولة الفاتيكون بروما الكاثوليكيّة ولكن لا نقبل بعض “الأنا” المغاير للأكثريّة فنُصاب سريعا بلوثة التّطرّف والإقصاء للإباضيّة والشّيعة والأحمديّة (القاديانيّة، البهائيّة…). وبالمقابل نرصد بتاريخ 7 جانفي 2020 صدور الأمر التّرتيبيّ المنظّم لخطط الإطارات الدّينية في المساجد بالرّائد الرّسمي للجمهوريّة التّونسيّة واللاّفت فيه زيادة على الوارد بالفصل الأوّل من الدّستور بالزّحزحة من عموم الإسلام إلى خصوص المذهب الفقهيّ والفرقة العقديّة إذ ورد بالفصل5: “يتعيّن على كلّ إطار مسجديّ يمارس مهاما دينيّة ما يلي: “-الإلتزام بأصول المذهب المالكيّ والعقيدة الأشعريّة...”. وقطعا نتفهّم المقاصد النّبيلة والتي بيّنها لي السيّد الوزير ومساعدوه من أنّ ذلك يتنزّل كضرورة عمليّة في سياق التّصدّي للاِختراق المذهبيّ والعقائديّ المهدّد الاِنسجام الدّيني للتّونسيين في المعتقد والشّعائر. تفهّم لا يتلازم مع الفهم إذ لم يعد مقبولا علميّا وعمليّا القبول بمدارس تراثيّة قداميّة تشكّلت كإجابات في سياقات مغايرة ما عادت إجاباتها تحلّ معضلة أسئلتنا ولاهي بقادرة على الاستجابة لتحدّياتنا وحاجيّاتنا.

2. إشكاليّة الإعلام الدّينيّ

تُعدّ لحظة الخروج من مطلق “النّص الخام” إلى نسبيّة “النّصوص المرسكلة” فارقة إذ تفرق ما بين زمنيْ “المقدّس الدّينيّ الربّانيّ المطلق” و”المدنّس المدنيّ الإنسانيّ النّسبيّ”. إذ لا تعدو تلك النّصوص أن تكون إلاّ أفهاما لنصّ الرّبّ لا لمراده. هذا ويتبيّن للرّاصد أنّ البرامج ذات المنحى الدّيني تؤثّث جلّ القنوات التّلفزيّة والإذاعيّة العموميّة والخاصّة والوطنيّة والجهويّة وكلّ يدّعي وصلا بالدّين إن لم يكن وصاية عليه. ويتكشّف اختلاف في فحوى الخطاب وبنيته حدّ التّعارض أحيانا مع أنّ الدّين المتحدّث عنه وباسمه واحد وقد مرّ بنا أنّ من أسباب تعطيل المجلس الإسلاميّ الأعلى تدخّله وبأسلوب تكفيريّ لوقف برنامج فيه رؤى مخالفة لما يراه المجلس الإسلام ذاته. مؤسّسات ثلاث تتقدّم كباثّ إعلاميّ دينيّ وهي:

أ. إذاعة الزّيتونة

مؤسّسة كانت خاصّة على ملك صهر المخلوع وعادت ملكيتها إلى الدّولة بحكم المصادرة.. وقد عرفت الإذاعة عديد الإشكاليات بدأت بالصّراع على رئاستها بين “ورثاء صخر الماطري”: محمّد مشفر والدّكتور كمال عمران، وتواصل مع التّعينات الحزبيّة. ورغم اتّخاذ المجلس الوزاري لسنة 2017 قرارا بإلحاق إذاعة الزّيتونة بالمرفق العام فقرار ضمّها للإذاعة الوطنّية لم يتحقّق إلى اليوم.

ب. إذاعة القرآن الكريم

يعود تأسيسها لسعيد الجزيري زعيم حزب الرّحمة والنّائب بمجلس نوّاب الشّعب. هذا وصرّح بتاريخ 05 جويلية 2020 رئيس الهايكا أن الهيئة وجهت تنبيها بإيقاف بثّها بعد إحالتها على الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد ملف الإذاعة لعدم قانونيتها باعتبارها تبث دون الحصول على إجازتها بوصفها الجهة الوحيدة المختصّة قانونا بهكذا منح وفق أحكام الفصل 16 من المرسوم المتعلّق بحريّة الاتّصال السّمعيّ والبصريّ.

ج. قناة الإنسان الفضائيّة

ممثّلها القانونيّ مالك لوكالة أسفار ويظهر هواها السّياسيّ من المقدّمين والكرونيكورات (مختار الجبالي، رضا الجوّادي، محمّد العفّاس…). هذا وقررت الهايكا بتاريخ 27 جانفي 2020 تسليط خطيّة ماليّة ضدّ القناة من أجل المخالفات المرصودة في برنامج “خليّك معانا” وإيقاف بث البرنامج المذكور بصفة نهائيّة. وكانت الهيئة قد اتخذت سابقا قرارا بالخطيّة وإيقاف البرنامج لمدة 3 أشهر وذلك على خلفيّة ما تضمّنه من بث لخطاب تحريضيّ. وفي تقرير رصدت “الهايكا عديد الإخلالات في البرامج الدّينيّة والقنوات التّلفزيونيّة المختصّة في هذا الشأن مبرزة أنّ الخطاب الدّينيّ في بعض البرامج يتضمّن بطريقة غير مباشرة مسّا من كرامة الإنسان أو الحث على الكراهيّة أو المسّ من حقوق الطّفولة والمرأة. وفي ضوء هكذا رصد للإخلالات نرى ضرورة:

– تحرّك “الهايكا” بشكل فعّال لتنظيم المجال بالتّشدّد في تطبيق القانون ضدّ المخالفين ممّن ينتصبون دون ترخيص، ومراقبة المناهج والمضامين وترشيدها ابتغاء تجويدها،

– جعل الإعلام الدّينيّ المرئيّ والمسموع، ولتصحّ فيه تسمية الإعلام، تفاعليّا وتعدّديّا منفتحا على الرّأي والرّأي الآخر ما يجنّبه مثالب الدّعاية والتّبشي،

– وضع إستراتيجية لتطوير الإعلام الدّينيّ وفق منهج علميّ وعمليّ يسهم فيه فضلا عن مالكي القنوات وممثلي وزارة الشّؤون الدّينيّة والجامعة الزّيتونيّة مختصّون في مجال الإعلام والدّراسات المقارنة للأديان تعصيرا لشكله ومادته ما يدفعه من موقع الدّين والتّديّن إلى الإسهام في إنتاج قيمة مضافة على المستوى الرّمزيّ ما يقي “الحقيقة الدّينيّة” من “الخطاب التّكفيريّ” الهجومي و”الخطاب التّبريريّ” الدّفاعيّ.

هكذا نختم سلسلة مقالاتنا عن “الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة” لنواصل وتحت العنوان الأكبر “مراجعات في الشّأن الدّينيّ” سلسلة أخرى نأمل عبرها إثارة قضايا غالبا من المسكوت عنها أو غير المفكّر فيها.

بقلم فوزي الشعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *