الثلاثاء , 14 يوليو 2020
الرئيسية / الأخبار الوطنية / مراجعات في الشّأن الدّينيّ: الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 2/4

مراجعات في الشّأن الدّينيّ: الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 2/4

عن الشّأن الدّينيّ غير “الرّسميّ”

يُفترض عدم انحصار “الشّأن الدّينيّ” في “الشّأن الإسلاميّ” وقصره عليه وإنّما ينفتح على الأقل على الشّأنين اليهوديّ والمسيحيّ كدينين كتابيين من المنظومة الإبراهيميّة وهو المفهوم من عموم الوارد بالفصل6 من الدّستور: “الدّولة راعية للدّين”، غير أنّ وزارة الشّؤون الدّينيّة تقصر رعايتها فعليّا على دين الأغلبيّة. علاقة ملتبَسة وجب تفكيكها..

1. الشّأن اليهوديّ

تقريبا كلّ اليهود تونسيين وكان عددهم يناهز الـ150 ألفا وقد استنزفتهم الهجرة إذ لم يبقي منهم سوى 1500 بينهم 1300 يعيشون في جزيرة جربة، والباقي موزعون بين العاصمة تونس وجرجيس ومدن أخرى. وقد منح قانون عدد78 لسنة1958 مؤرّخ في11 جويلية1958 يتعلّق بنظام شعائر الدّيانة الموسويّة اليهود استقلاليّة في إدارة شؤون الجماعة دينيّا وماليّا واجتماعيّا عبر جمعيّات، واحدة بكلّ ولاية، ذات مجلس إدارة منتخب تبدي رأيها في جميع المسائل التي ترى الحكومة مصلحة في استشارتها فيها ولا سيما تسمية كبير أحبار تونس المسمّى بأمر وهو يرأس المواكب الدّينيّة اليهوديّة ويختصّ بتفسير الشّريعة الموساوية وتستشيره الجمعيات الدّينيّة وجوبًا لتسمية الأحبار، وهو يراقب البيعات ومعاهد التّعليم الدّيني. قانون وجد تبريره في “إصلاح نظام الدّيانة الموساوية بما يجعلها تنسجم مع مقتضيات الاستقلال وجميع الإصلاحات الجوهريّة التي أدخلت على مؤسّسات البلاد…”

2. الشّأن المسيحيّ

كان عدد المسيحيين قبيل الاستقلال 250 ألف نسمة ويناهز اليوم الـ35 ألفا. هذا وجلّ المسيحيين في تونس أجانب وجلّهم كاثوليك وجلّ الرّهبان أفارقة. والإطار القانونيّ المنظّم للعلاقات بين الكنيسة والدّولة التّونسيّة حدّدته مذكّرة تفاهم وقّعت يوم27 جوان1964 بين تونس والفاتيكان حُوّلت بمقتضاها أملاك الكنيسة إلى الدّولة التّونسيّة وهذا الإطار القانوني جاء في سياق تصفية الاستعمار وهو اليوم يوضّح العلاقات بين الدّولة التّونسيّة والكنيسة الكاثوليكيّة وييسّرها. هذا وتشرف الكنيسة على إدارة 10 مؤسّسات تربويّة. هذا وتعرف المسيحيّة في تونس تعدّديّة إذ فضلا عن الكنائس الكاثوليكيّة تعرف بلادنا كنائس شرقيّة وغربيّة: أرتدوكسيّة وإنجيليّة وبروتستانتيّة…الخ

في ضوء تلك المرجعيّة القانونيّة وما تبعها من انتماء لغير “دين الأغلبيّة” الكاثوليكيّة نرى:

– تدخّل الدّولة الرّاعية بفرض سيادتها على الشّأنين اليهوديّ والمسيحيّ تماما كسيادتها على الشّأن الإسلاميّ وتحقيقا للمساواة في الحقوق والواجبات كمبدأ ضُمّن دستور الجمهوريّة الأولى وتمّ تأكيده بدستور الجمهوريّة الثّانية،

– رعاية الدّولة للشّأن الدّينيّ منتقصة التّعميم إذ وإن نصّ “قانون المساجد” والقانون المنظّم للمقابر على الدّولة والجماعات المحليّة مسؤوليّة الصّيانة والمصاريف نرى وخاصّة فيما يخصّ بالشّأن اليهوديّ تفصّي الدّولة من هكذا مسؤوليّة لتعهّدها من قبل “الجمعيّات الدّينيّة اليهوديّة” التي وإن ضمنت إدارة ديمقراطيّة تحترم خصوصيّات اليهود وقناعاتهم الدّينيّة نرى مع هجراتهم خراب معالم عديدة من بِيَعٍ ومدافن،

– وإن كانت كنائس المسيحيين ومقابرهم، وجلّهم أجانب، تحظي برعاية ذاتيّة ملحوظة من جمعيّات مختصّة ذات إمكانيّات ماليّة وفنيّة فإنّ رعاية مستعجلة يجب أن تمسّ خصوصا المقابر اليهوديّة التي تضمّ رفات مواطنين هاجر أغلب أهلهم خارج البلاد ولم يعد لهم غير دولة وطنهم لتحفظ كرامتهم وذكراهم،

– وجوب توضيح جهة الإشراف على موسم “حجّ الغريبة” لأجل تأكيد مبدأ “رعاية الدّولة للدّين” وتسوية بين الحجّين الإسلاميّ واليهوديّ. فاللّبس الحاصل أحدث ارتباكا خاصّة وقد أضحى الحجّ مدخلا للتّطبيع مع التّغطية عليه بتمكين إسرائليين من “رخص مرور” لدخول تونس حتى لا تختم الدّيوانة جوازاتهم الصّهيونيّ وهو التّحيّل غير المقبول،

– فُشوّ جهل متبادل بين أطياف المجتمع وفي سياق البحث عن جسور التّواصل بين الأديان نرى وقد عرفت تونس مؤتمرات الحوار الإسلاميّ المسيحيّ يستوجب استئنافه بشكل رسميّا مع توسيعه ليشمل اليهود في إطار “منتدى أبناء إبراهيم” يرعاه “مركز البحوث والدّراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة” نبتغي عبره المعرفة والاعتراف بما يتجاوز منطق التّسامح كفضل إلى التّعايش كحقّ،

– إدخال أماكن العبادة من مساجد المسلمين وبِيَعِ اليهودي وكنائس المسيحيين فضلا عن مدافنهم ومزاراتهم ضمن المسالك السّياحيّة ما يجعل من “الشّأن الدّينيّ” سوقا رابحة ماليّا وثقافيّا كرعاية احتفالات المولد بالقيروان وحج الغريبة بجربة وخرجة مادونا بحلق الوادي.

3. “الشّأن الدّينيّ الشّعبي”

تسنّى لسوسيولوجيين إطلاق مفهوم “مجتمع الولاء الصّالح” (société maraboutique) ضمن تحديدهم لطبيعة ذهنيّة المجتمع التّونسيّ. ومن ثمّة عُدّ التّصوّف الطّرقيّ إحدى دعائم الهويّة ومن تنويعات “الشّأن الدّينيّ” غير الرسميّ المندرج في مقاربات أنتروبولوجيّة ضمن مسمّى “التّديّن الشّعبيّ” يجد من الدّولة السّند إذ ترعى وزارة الشّؤون الدّينيّة أكثر من 600 زاوية غير أنّ ضعفها بُعيد الثّورة مكّن مناوئين من حملة ممنهجة لا فقط سلفيّة لمقاومة التّصوّف وإنّما أساسا وهّابيّة لحرق مقامات وهدم أضرحة جريمة وإن تصنّف إرهابيّة فإنّها تُعدّ أيضا اعتداء على ارث تاريخيّ وموروث الثّقافيّ حريّ صونهما.وفي ضوء ذلك نرى:

– في حرق مقامات وهدم أضرحة تشويها لبعض تاريخ تونس وحرمان أجيال لاحقة من شواهد على أزمنة سابقة لذا فتشديد العقوبة من جهة وتثمينها كتراث ماديّ ولا ماديّ من المهام المستوجبة لما للتّاريخ من أهميّة في تشكيل الهويّة وصونها،- ضرورة رفع الخلط بين القيمة الحضاريّة والثّقافيّة للزّوايا والأضرحة باعتبارها ملكا جماعيّا واجب الحماية والرّعاية والبعد الإعتقاديّ والشّعائريّ المندرج ضمن نمط من التّديّن يبقى خيارا خاصّا يخضع لجدل القبول والرّفض بعيدا عن الوصاية،

– الرّقيّ بالوعي الفرديّ والجمعيّ للمنتمين للطّرق وزوّار الزّوايا، وتجنّب التّوظيف السّياسيّ والأيديولوجيّ للمقامات بما يقطع مع الأسطورة وطقوسها وتكريسا للواقعيّ والعقلانيّ وانتصارا لمواطنيّة نراها في ذات فرديّة واجتماعيّة واعيّة تقطع مع التّبعيّة،

– وجوب تثمين الاحتفاليّة المرفقة بـ”الزّردة” (الفروسية، الموسيقى، الإنشاد، الرّقص…) التي أمست غالبا فولكلورا تجرّد من إعتقاديّة “طقوس العبور”، فولكلورا من شأنه لعب أدوار هامّة في استنهاض السّوق الثّقافيّة والسّياحيّة والاقتصاديّة لمنطقة المقامات،

– وإذ تعود الزّوايا بالنّظر إلى وزارة الشّؤون الدّينيّة كراعيّة للتّراث الدّينيّ فإنّ حضور وزارة الشّؤون الثّقافيّة يجب أن يكون أكبر عبر “المعهد الوطني للتّراث” صونا للمنشئات ورعاية “المؤسّسة الوطنيّة لتنمية المهرجانات والتّظاهرات الثّقافيّة والفنيّة” لاحتفاليّات كبرى ذات قيمة مضافة معرفيّا ومشهديّا على المستوى العربيّ والإسلاميّ خاصّة وتونس كانت قطبا صوفيّا حريّ تثمينه كتراث لا ماديّ.

.4. الشّأن الدّينيّ الجمعويّ

بلغ عدد الجمعيات “الدّينيّة” 537 وإن لم تبلغ نسبتها سوى 2.54 بالمائة غير أنّ أثرها كبير لقداسة رأس المال الرّمزيّ الذي تحمله كصفة لها. النّشاط الدّينيّ لا يقتصر على هذه الجمعيّات وإنّما كثير من المصنّفة خيريّة اجتماعيّة، وعددها 2385، تقوم بأنشطة في عموم الدّينيّ وخصوصه. ورغم أنّ وزارة الشّؤون الدّينيّة ترعى 1800 من الكتاتيب وجدنا من تصدّى لهكذا تعليم وجعله بديلا للتّعليم العموميّ ورفده بمضامين أيديولوجيّة وتفرقة جنسيّة بين المتعلّمين وهو ما شهدنا أقصاه وأقساه مع ما سميّ “المدرسة القرآنيّة بالرّقاب”، ولا تفرق في النّوع فقط تختلف النّوع المدارس التّابعة للجمعيّات اليهوديّة كـ”مدرسة الرّبيّ شلوم حدّاد” بجربة.

وفي ضوء هذا المشهد المنفلت نرى:

– تقسيم المؤسّسات التّعليميّة على أساس الدّين والجنس ضرب لوحدة التّعليم ومدنيّة الدّولة لذا وجب التّنبّه إلى أنّ الفضاءات المقدّمة تعليما دينيّا، إسلاميّا قرآنيّا أم يهوديّا توراتيّا أو مسيحيّا إنجيليّا، لا تُصنّف مدارس فهي في أقصى الحالات تقدّم مواد مكمّلة وليست بديلاً لمنظومة تعليم عموميّ، مدنيّ وموحّد، حتى لا تكون تلك الفضاءات على حساب وحدة المجتمع وتمرّدا على الدّولة، ونشدّد على مبدئيّة المضمّن بالقانون التّوجيهيّ عدد80 لسنة 2002 الرّفض قطعيّا لهذا الّنوع من التّعليم والنّاصّ على أنّ “التّربية أولوّية وطنية مطلقة والتّعليم إجباريّ من سنّ السّادسة إلى سنّ السّادسة عشرة، وهو حقّ أساسيّ مضمون لكلّ التّونسيين لا تمييز فيه على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعيّ أو اللّون أو الدّين، وهو واجب يشترك في الاضطلاع به الأفراد والمجموعة”.

– اضطراب الدّولة في تحديد الجهة المشرفة على هكذا جمعيّات تسمّت دينيّة تقدّم مضامين تعليميّة ما جعل نشاطها الموازي غير قابل للرّقابة من أيّ من وزارات الشّؤون الدّينيّة أو الاجتماعيّة أو التّربية أو الدّاخليّة، اضطراب دولة كشف عن ضعف وجب وضع حدّ له بوضع كلّ مسمّى الأنشطة القرآنيّة، جمعيّات ومدارس وكتاتيب، تحت إشراف “رابطة الجمعيّات القرآنيّة”، الجمعيّة القوميّة للمحافظة على القرآن الكريم سابقا، تنظيميّا وعلميّا مع رعاية لوزارة الشّؤون الدّينيّة ممثّلة لوحدة الدّولة،

– تلعب تلك الجمعيّات أدوار سياسيّة مقنّعة غير خافية على متتبّعي خطاباتها وأنشطتها في زمن وجوب فصل الدّين عن السّياسة وإن شهدنا ممّن يرى وصلا زحزحة مفاهيميّة نّظرت لمسمّى الفصل بين السّياسي والدّعوي بديلا مواربا يُبقي على الوصل ولأدلّ على ذلك من استعمالهم مصطلح “التّخصّص الوظيفيّ” المضمر استمرار العلاقة. ولأنّ دعوة المسلمين إلى إسلام الجمعيّات يُنبؤ عن مسكوت تقديره كفرهم فعلى الدّولة الرّاعيّة وضع حدّ له بمقتضى الفصل6 من الدّستور الذي يجعلها “تلتزم بمنع دعوات التّكفير” وذلك بالتّدقيق في انتماءات وخطابات وبرامج الجمعيّات.

فوزي الشعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *