الأحد , 20 سبتمبر 2020
الرئيسية / الأخبار الوطنية / مراجعات في الشّأن الدّينيّ:الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 3/4

مراجعات في الشّأن الدّينيّ:الشّأن الدّينيّ للدّولة الوطنيّة 3/4

في رعاية الشّعائر الطّقسيّة

يتعلّق الشّأن الدّينيّ بطقوس مركزيّة أربعة: “الصّلاة” و”الصّوم” و”الزّكاة” و”الحجّ” لا أداء باعتبارها شأنا خاصّا وإن تمّت عموميّا وإنّما بتوفير كلّ ما من شأنه تأمين إنجازها إذ وخلاف حركات أيديو-سياسيّة لا ننظر إلى العبادة كـ”واجب” يُفرض وإنّما نصنّفها كـ”حقّ” يُفترض رعايته:

1. رعاية شأن الصّلاة

يُرعى “شأن الصّلاة” عبر تأمين الخدمات المسداة ببيوت الصّلاة، جوامع ومساجد، التي نراها تشكو من تفقير اجتماعيّ وفقر معرفيّ يمسّان القائمين عليها:

أ. التّفقير الاجتماعيّ: يرعى خدمة الصّلاة 20600 قائم عليها في 6065 جامعا ومسجدا منهم 8000 “متطوّع” يحصّلون على منح بين 35 و70 دينار شهريّا، و12 ألف إطار مسجديّ يحصّلون فقط على الأجر الأدنى المضمون ودون تغطية اجتماعيّة كذلك.

ب. فقر معرفيّ:الإطارات المفقّرة اجتماعيّا تشكو أيضا فقرا معرفيّا إذ 7بالمائة فقط من الحاملين لشّهائد جامعيّة في التّفكير الإسلاميّ والعلوم الشّرعيّة في حين أنّ 35 بالمائة لهم شهائد جامعيّة في اختصاصات مختلفة و58 بالمائة منهم دون الباكالوريا وأغلبهم مستوى الثّانويّ. حالتا التّفقير الاجتماعيّ والفقر المعرفيّ تعوقان مرفقا مهمّا يفترض إسداء خدمة رمزيّة تكفل حقّ المواطن في العبادة من جهة وتصدّيه لانحراف في التّديّن من مظاهره التّطرّف والتّكفير. وقد شهدنا حالات من الانفلات ضيّعت على مواطنين حقّهم في الشّعيرة لفشوّ خطاب وحراك يتعارضان مع ما وجد الجامع لأجله كاستيلاء جماعات سلفيّة إرهابيّة على جامع النّور بدوّار هيشر في 2014، ومنع نقابيين متحزّبين لصلاة الجمعة بجامع اللّخمي بصفاقس في 2015.

ولرفع المعوّقات نرى وجوب:

– تقنين الانتدابات وسن قانون أساسيّ ينظّم العمليّة، ووضع شروط مضبوطة تستجيب للمطلوب من القائمين على المرفق الشّعائريّ في دولة مدنيّة راعيّة للدّين،

– الرّفع من المنح والأجور بما يشجّع أصحاب الكفاءات وشهادات الاختصاص على طلب المهمّة كوظيفة قارّة تضمن لمتحمّلها وضعا اجتماعيّا مستقرّا،

– إعادة النّظر في هيكلة مؤسّسات التّكوين وخطابها المنتَج في الجامعة الزّيتونيّة ومعهد الشّريعة والمعهد العالي للخطابة والإرشاد الدّينيّ ومركز البحوث والدّراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة.

– بقاء التّكوين شأنا وطنيّا خلاف إبرام بروتوكول تعاون يستهدف تكوين أئمّة وتأطيرهم بين وزارة الشّؤون الدّينيّة وسفارة كندا ومركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ومقرّه الولايات المتّحدة ومنها يتموّل ويرأسه الأمريكيّ التّونسيّ رضوان المصمودي المنتمي حزبيّا لحركة النّهضة.

2. رعاية شأن الصّوم

تتمّ رعاية شأن الصّوم أساسا ببيان مبتدى الحقّ ومنتهى زمانه. عرفت دولة الاستقلال طرقا ثلاث عبّرت عن تلك الرّعاية:

أ. اعتماد الرّؤية: لحديث “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين” وكان على ذلك مجرى عمل الدّولة تاريخيّا استنادا على فتاوى “شيخ الإسلام الحنفيّ” و”شيخ الإسلام المالكيّ” فـ”مفتي الدّيار التّونسيّة” إلى غاية 1960 وسيلة بُرّرت بـ”إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب الشّهر هكذا وهكذا يعني مرّة تسعة وعشرين ومرّة ثلاثين”،

ب. اعتماد الحساب: بمقتضى الأمر عدد52 لسنة 1960 مؤرّخ في 23 فيفري 1960 تعيّن أنّ دخول الأشهر الهجريّة الموافق لرؤية الهلال يقع مسبقا حسب التّقديرات الفلكيّة المدقّقة الصّادرة من المصالح العموميّة المختصّة (مصلحة الارصاد) وطبقا لقواعد علميّة-فلكية ثابتة يتعيّن معرفة دخول الأشهر القمريّة قبل حلولها للقيام بالمواسم الدّينيّة وتنظيم الحياة العامّة،ج. اعتماد الرّؤية استئناسا بالحساب: اقتضى الأمر عدد727لسنة 1988 المؤرخ في 8 أفريل 1988 تعيين بداية كلّ شهر قمريّ بالرّؤية مع الاستئناس بالحساب وذلك اعتبارا إلى أنّ “الحسابات الفلكيّة الثّابتة التّدقيق الصّادرة عن المرافق العموميّة ذات الاختصاص وبأنّ الرّؤية البصريّة طريقة للإثبات”.في ضوء الفوضى التي يشهدها المواطن المؤمن ومرافق الدّولة بمناسبة دخول الشّهر وخروجه نرى:

– سُيّست مسألة الرّؤية بعدّها مكوّنا هوويّا موصولا بدين المجتمع مقابل علمانيّة السّلطة، مسألة أيديولوجيّة لا علاقة لها بالدّين الذي عدّها وسيلة لمجتمع أميّ،

– الرّؤية وسيلة واقعيّة ظنيّة لملاحظة الظّاهرة الفلكيّة تماما كما الحساب وسيلة علميّة يقينيّة لرصدها لا علاقة لها بالعلمانيّة و”الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا”،

– يعتمد المؤمنون على حسابات المعهد الوطنيّ للرّصد الجويّ لضبط أوقات الصّلوات الخمس يوميّا ومن باب أولى قياسيّا تأمينه على تحديد دخول شهر رمضان وخروجه،- تخطّي المغالطات الأيديولوجيّة والأحابيل السّياسيّة الماسّة بالوعي الدّينيّ وذلك بجعل بالإعلان رمضان أوّلا وآخرا كما الصّوم إمساكا وإفطارا من مهام فلكيي معهد الإرصاد.

3. رعاية شأن الزّكاة

من المهام الموكولة إلى مفتي الجمهوريّة ضبط زكاة الفطر وزكاة المال سنويّا. وإن اقتصر عمل الدّولة في “شأن الزّكاة” على بيان شروط الأداء من أنصبة وأزمنة ومقادير فقد كانت الثّورة مناسبة لمطالبة فرقاء بتوسيع مهام الدّولة في تعاطيها مع المسألة. احتجّ المطالبون بـ”خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً” معتبرين الأمر وجوبا والمأمور هو عموم الحاكم لا خصوص الرّسول واقترحوا إحداث “صندوق الزّكاة” عُدّ من مفردات المصالحة بين المواطن ودينه مندرجا ضمن مُسمّى “الماليّة الإسلاميّة”.

أ. تدنيس مقدّس:في ضوء الانفلات وضعف الدّولة تصدّت جمعيّات انتصبت ممثّلة للدّين وتسمّت “خيريّة” لجمع الزّكاة من مواطنين مؤمنين شرعا بضرورة التّخلّص من مال حلّ أجل التّصدّق به. وتبيّن بعدُ أنّ بعضها كان على علاقة بجماعات التّهريب والإرهاب الإجراميّة.

ب. دولنة الفريضة: رغم الوجود القانونيّ والفعليّ لصندوق للزّكاة ضمن هياكل الاتحاد التّونسيّ للتّضامن الاجتماعيّ فقد نظر مجلس الوزراء في غرّة مارس 2013 في مشروع إحداث بين الزكاة ودار الأوقاف وقد أبدى حينها موافقته المبدئية على هذا المشروع مع إبدائه ملاحظات على أن يصدر بأمر عن وزير الشّؤون الدّينيّة ثمّ أدراج في 2015 بالمجلس التّشريعيّ للصّدور كقانون. لم يصدر القانون بل ورُفض ومع ذلك بقيت “الجمعيّة التّونسيّة لعلوم الزّكاة” رافعة مطلبه في مؤتمرات وندوات تعقدها ووجدت في 2017 دعما من وزيري الشّؤون الدّينيّة والاجتماعيّة ومدير بورصة الأوراق الماليّة عبر مداخلات تساند بشروط، وأخيرا أعلن رئيس بلديّة الكرم عن حركة النّهضة تدشين صندوق في الغرض أثار لغطا.

وفي ضوء المطروح في علاقة بـ”شأن الزّكاة” نرى:

– الأرقام المقدّمة من قبل الجمعيّة تستبطن إجباريّة ما إذ افتراضت تحصيل “بيت الزّكاة” ما يناهز 3500 مليون دينار في 2013 وهو رقم ضخم يمثل 5 بالمائة من النّاتج الوطنيّ الخام و12 بالمائة من ميزانيّة الدّولة إذا تمّ احتسابه على عموم رسملة المؤّسسات المدرجة بالبورصة والحسابات البنكيّة ومجمل المتداول من ثروات (ذهب، قمح، زيت، تمر، قوارص…). شُبهة إجباريّة لا نُقرّها إذ نرى العبادات حقوقا شخصيّة وإن كان فرض ربّ وقناعة مؤمن لا يمكن تدخّل الدّولة لفرضه بالتّشريع الجاري،

– نحتاج إلى بلورة مقاربة حديثة للاقتصاد التّضامنيّ الذي من أهمّ إشكاليّاته في تونس غياب قانون إطاريّ ينظمه حينها يمكن بلورة إطار قانونيّ يتيح تنظيم الزّكاة كفعل طوعيّ شريطة أن تبقى الدّولة وحدها الرّاعية لها عبر “صندوق للعطايا والهبات والزّكاة”،

– “صندوق العطايا والهبات والزّكاة” برأينا مؤسّسة عموميّة لا تكتسي صبغة إداريّة تتمتّع بالشّخصيّة القانونيّة والاستقلال الماليّ تخضع لإشراف وزارة الماليّة ويسيّره مجلس إدارة يضمّ ممثّلين عن وزارات خاصّة الماليّة والشّؤون الاجتماعيّة والدّينيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ وخاصّة الإتّحاد العام التّونسيّ للشّغل والاتحاد التّونسيّ للصّناعة والتّجارة والصّناعات التّقليديّة والاتّحاد التّونسيّ للفلاحة والصّيد البحريّ…الخ

– مصارف الزّكاة عديدة تبتغي تحقيق المصالح الخاصّة والعامّة ونظرا لضعف موارد الدّولة وانعكاسها سلبا على الخدمات وتجسيما لمضمون الفصل12 من دستور الثّورة: “تسعى الدّولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والتّنمية المستدامة، والتّوازن بين الجهات، استنادا إلى مؤشّرات التّنمية واعتمادا على مبدأ التّمييز الإيجابيّ…” نرى قصر الموارد على المؤسّسات التّربويّة والصّحيّة والطّرقات والجسور التي تصلها وتفكّ العزلة عن مواطنين.

4. رعاية شأن الحجّ

الحجّ عبادة تتطلّب جهدا بدنيّا وماليّا وهو ليس بالهيّن لذا وجب على “من استطاع إليه سبيلا”. ويعدّ التّعاطي مع “شأن الحجّ” الأكثر إثارة للجدل والشّبهات خاصّة مع تنامي عدد طالبي الحجّ من جهة وتعمّق الأزمة اقتصاديّة والماليّة.

أ. شبهات حول القرعة: بلغ عدد حجّاج موسم2019 في حدود الـ10982. وإن كان العدد مرتهنا بحصّة تحدّدها السّعوديّة فإنّ شبهات تتعلّق بالمحاباة والرّشوة كثيرا ما تُثار من الــ236 ألف مسجّل إذ لا يخضع للقرعة محظوظون (مقرّبون، وزراء، نوّاب…)شبهة أكّدتها ندوة صحفيّة خاصّة بحجّ2019 وبدل توصيف “الفائزين” بالقرعة، التّوصيف الرّسميّ، استعمل وزير الشّؤون الدّينيّة تعبير “تمّ اختيارهم” في عام اعتمد فيه على “التّسجيل الإلكترونيّ”!

ب. شبهات حول التّسعيرة: ارتفعت التّسعيرة من 9510دينارا في2017 إلى 11497دينار في2018 بزيادة تقارب 2000دينار لتبلغ 13.896دينارا في2019 بزيادة مماثلة. زيادة يعتبرها مسؤولون “معقولة” و”منطقيّة” رادّين ارتفاعها إلى أسباب تتجاوزهم في مقدّمتها انزلاق سعر الدّينار مقارنة بالرّيال فضلا عن ارتفاع أسعار الخدمات السّعوديّة والأداءات الموظّفة عليها.

في ضوء الشّبهتين السّابقتين نرى:

– وجوب التّدقيق في طريقة الاقتراع على المترشّحين وإخضاع جميع الحجّاج إلى عمليّة القرعة بما يحذف قائمة المحظوظين من المقرّبين والوزراء والنوّاب تحقيقا للمساواة بين المواطنين إذ حجّ السّاسة عبر تخريجة الوفد الرّسميّ يتنزّل سرقة موصوفة لأموال دافعي الضّرائب في وقت يعرف فيه الحاج ضغطا ماليّا وشبهة بعثة ضخمة من 500 شخص قيل رعاية للحجّاج من كلّ جوانبهم،

– الحجّ وإن كان شعيرة دينيّة فالتّوصّل إلى آداءها ينزّلها في آليّات السّوق الماليّة (عملة…) والاقتصاديّة (نقل، سكن…) ورعاية الدّولة لها لا يستتبع ضرورة احتكار “منتزه قمّرت” كمتعهّد عموميّ واحد. لذا نري في تحرير تنظيم رحلات الحجّ لقطاع وكالات الأسفار الخاصّة أسوة بالعمرة من الحلول الواجب اختبارها إذ يفترض تحسين المنافسة للخدمات مع الضّغط على الأسعار.

– من حق الحاج التّمتّع بحريّة الاختيار والتّعاقد مع أكثر من طرف ويبقى للدّولة واجب الرّعاية عبر تنظيم اختيار الحجّاج بحسب الأولويّة وإصدار كرّاس شروط يجب على وكالات الأسفار الخضوع لتراتيبها ومراقبة مجريات كلّ العمليّة، وزجر كلّ من أخلّ بتعهّداته.

ومن واجب الدّولة حوكمة الوفد المرافق للحجاج الممثّل كافة الأطراف التي سترعى الحجاج وتتولى الإحاطة بهم والسّهر على أدائهم لمناسكهم في أفضل الظروف، وتوعية الحجاج بضرورة التّحلّي بالسّلوك الحضاريّ وقواعد الصّحّة.

فوزي الشعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *