الأربعاء , 28 يونيو 2017
الرئيسية / حتى لا ننسى / مايكل جوزيف سافاج… كيف نبني دولة الرفاه داخل الأزمات

مايكل جوزيف سافاج… كيف نبني دولة الرفاه داخل الأزمات

ولد رئيس الوزراء الثالث و العشرون لنيوزيلندا “مايكل جوزيف سافاج”، سنة 1872 لأبوين من المهاجرين الايرلنديين في “تايتنج” بفيكتوريا الأسترالية التي كانت تحت الاستعمار البريطاني، حيث تولت أخته روز تربيته وهو في سن الخامسة بعد وفاة والدته الى أن أكمل تعليمه الحكومي.
بداية من سنة 1886 كان سافاج يجمع بين عمله في المتجر ومزاولته الحصص الدراسية المسائية التي يحضرها في معهد “بينالا”، وهواياته بالملاكمة و رفع الأثقال.

بعد تركه لبلدته اشتغل سافاج في “نيوساوثوايلز” عاملا لحفر خنادق الري، وهناك انظم للاتحاد العام للعمال ليعود لمدينته الأم مشبعا بالأفكار والتجارب، أين نشط في مكتب حزب العمل بفكتوريا وتم اختياره كمدير لإحدى الحملات الانتخابية للحزب في إحدى القرى.
في سنة 1907 هاجر مايكل جوزيف الى نيوزيلندا وعمل بالمناجم والزراعة والمتاجر، كما نشط بدوري نيوزيلندا للركبي وانخرط بالحزب الاجتماعي الديمقراطي النيوزيلندي منذ تأسيسه سنة 1913.

وتجدر الإشارة إلى أنّ سافاج كان من أبرز قادة اضراب “وايهي” خلال الحرب العالمية الأولى، كما عارض بقوة التمييز السلبي ضد النيوزلنديين في التجنيد الإلزامي.

أهلته خبرته التي اكتسبها من تجاربه في العمل النقابي الى أن يتولى مسؤولية ادارة فيديرالية العمل النيوزيلندية؛ حيث جعل هدفه الرئيسي تطوير توزيع وانتشار صحيفتها والتثقيف الاجتماعي. وبفضل مجهوداته تطورت فيديرالية العمل التي أصبحت اليوم تسمى بمجلس نقابات العمل و التجارات، حيث أنها عدت 360 ألف منخرط سنة 2015 في بلد لا يتجاوز سكانه عتبة 4 ملايين و 80 ألف نسمة.
“إنه من السهل أن تخالط الكتّاب، إذا كنت قادرا على التعامل مع الاطفال”، تعد هذه إحدى أشهر أقوال رئيس الوزراء النيوزلندي سافاج. فبالنسبة لهذا الرجل من يمكنه معرفة أسرار البدايات بإمكانه بلوغ الغايات مهما طالت.

سنة 1916 حملت حدثا نوعيا في تاريخ مايكل جوزيف سافاج وتاريخ نيوزيلندا الحديث بصفة عامة وهو ما تمثل في توحيد الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب العمل المتحد صلب حزب جديد هو حزب العمل النيوزيلندي. هذا الحزب الذي حكم نيوزيلندا من سنة 1935 إلى 1949 ومن سنة 1999 إلى 2008، يحتفل في السابع من جويلية هذا العام بالذكرى الأولى بعد المائة لتأسيسه ويعد من أكثر الأحزاب تنظيما في العالم.

في سنة 1918 عاد مايكل بعد إمتثاله لأمر تجنيده رغم أنه كان في السادسة و الأربعين، ليتولى منصب نائب رئيس الحزب، ثم أنتخب كأول أمين عام لحزب العمل. كما ترشح للانتخابات عدة مرات وكان نائبا في البرلمان النيوزيلندي لمدة 7 دورات متتالية عن أوكلاند الغربية، منذ انتخابات 1919 حتى انتخابات 1938. وتخلى بعد انتخابه في البرلمان عن الأمانة العامة ومسؤولياته الحزبية الجهوية ليتفرغ للعمل البرلماني.

منذ انتخابات 1919، سعى سافاج لتوسيع الدعم لحزب العمل من النقابيين في الجهات الفقيرة، وسافر كثيرا إلى الداخل ليضمن تمثيلية أكبر لحزبه في الانتخابات القادمة ويتمكن من تحقيق مكاسب للشعب النيوزيلندي. فرغم عدم وجوده في الحكم وقتها، فإنه يعتبر من أهم الرموز العالمية في الدفاع عن الزيادة في الجرايات والرعاية الصحية المجانية وينسب له الفضل في إنشاء قانون علاوات الأسرة سنة 1926.
أما في سنة 1927، فقد سعى سافاج لإقناع العديد من الأحزاب بقانون تعديل سياسة الأرض والاعتراف بحق التملك الحر والخروج من هيمنة مخلفات الاقطاع على الأذهان وكان ذلك سببا أساسيا في كسب التأييد لحزب العمل في المناطق الريفية.

خلال فترة الكساد الاقتصادي، واصل سافاج سُنته في التنقل المستمر داخل البلاد، ولمع نجمه كشخصية بارزة ومتحدث مميز حيث قام بالدعاية لمشروع حزبه في أن تكون نيوزيلندا منيعة ضد الأمراض، عادلة اجتماعيا وقوية على مستوى السياسة الخارجية.

و بعد فوز حزبه في انتخابات 1935 تشكلت أول حكومة يقودها حزب العمل في تاريخ البلاد وقام سافاج بترأسها.
“قد يحدث أن نخطئ، ولكننا سنحقق أيضا أشياء أخرى غير الأخطاء”،بهذه الكلمات تكلم مايكل جوزيف سافاج عن تفاؤل حذر وواقعي، بإمكانه أن يتجاوز حالة الكساد العظيم و البطالة التي عاشتها دول العالم كامل عقد الثلاثينات، منذ انهيار بورصة وول ستريت. فالوعود التي قدمها و اؤتمن عليها هي أولويات لابد أن تنفذ، ولو كان ذلك سيعرضه للخطأ، إلا أن المحاولة للإصلاح و التغيير في اتجاه الأفضل جديرة بذلك، حسب نظرته.

في سنة 1937، أبحر سافاج إلى بريطانيا لحضور حفل تتويج الملك جورج السادس و كذلك المؤتمر الامبراطوري ووجد فرصة حضور وزراء آخرين من الكومنولث لينتقد علنا خطأ بريطانيا لإضعاف جمعية الأمم. و تجادل على قضايا الدفاع والسياسة الخارجية بأن حكومته، على عكس بريطانيا، سارعت إلى إدانة سياسة إعادة التسلح الألمانية والتوسع الياباني في غزو الصين وقضية إيطاليا وأثيوبيا كما انتقد سياسات بريطانيا للتهدئة مع التصرفات الصبيانية للألمان و حلفائهم.

في أفريل 1938 بدأ سافاج تنفيذ مخططات قوانين الضمان الاجتماعي تماشيا مع وعوده الانتخابية حيث:
-وضع منحة بطالة تدفع للمواطنين من سن 16 سنة فأكثر.
– تطوير النظام الصحي المجاني ليمتد إلى الأطباء العامين ومستشفيات رعاية الأمومة.
– تحسين نظام معاش الشيخوخة للرجال والنساء على حد السواء والترفيع في قمته.
– إصدار قانون الضمان الاجتماعي الذي يعتبر أول نظام حقيقي للضمان في التاريخ الحديث.

أدت وحشية الحرب العالمية الثانية إلى إعلان نيوزيلندا الحرب رسميا على ألمانيا النازية في 3 سبتمبر 1939، بعد ساعات من إعلان بريطانيا الحرب. حيث كان واضحا سلامة موقف مايكل منذ البداية في ضرورة وضع حد لاستفزازات الدول الفاشية قبل أن تتطور الأمور إلى حرب عالمية.
توفي سافاج في 27 مارس 1940 جراء سرطان القولون، ليست وفاته وهو في منصبه من جعلته شخصية القرن في نيوزيلندا بل ما شفع له هي قدرته على أن يكون مهندس دولة الرفاه والرعاية الإجتماعية في زمن الأزمات الاقتصادية العالمية. ورغم قصر فترة توليه الحكم وما تكتسيه من حساسية إلا أن منجزات حزبه في المعارضة و السلطة تركت الأثر الكبير في تاريخ البلاد.

كما خلده النيوزيلنديون بدفنه في مَعلم يخلد اسمه ولم ذلك مصادفة حيث كان العديد يطلق عليه تسمية “العم” بسبب طبيعته الطيبة والودية، فصورته لا تزال معلقة في منازل العائلات كبطل لم يتأخر للإيفاء بوعوده للشعب.

إسماعيل بوجلبان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *