السبت , 16 ديسمبر 2017
الرئيسية / خبر وتعليق / لماذا لم يحضر أحد الرؤساء جلسة الاستماع للضحايا؟

لماذا لم يحضر أحد الرؤساء جلسة الاستماع للضحايا؟

العدالة الانتقالية مسار نص عليه دستور البلاد ونظمه قانون من قوانين الدولة، وهو مسار يدخل ضمن تجارب العدالة الانتقالية القليلة في العالم والغائبة في العالم العربي، إذا ما استثنينا المغرب الأقصى التي لم تكن تجربتها في سياق ثوري وإنما في إطار رغبة إصلاحية نابعة من ملك.
في مؤتمر برلين سنة 1878 دعا وزير الخارجية البريطاني فرنسا لاحتلال تونس صارخا “لا تتركوا قرطاج بأيدي البرابرة”. وبقطع النظر عن كون المستعمر كان بدوره بربريا وكون دوافعه للاستعمار كانت اقتصادية لا لنشر حضارة، فإن تاريخنا في جوانب عدة منه هو فعلا تاريخ وحشية، ويكفي هنا أن نذكر ما فعل الصادق باي بمن خرجوا عليه مع علي بن غذاهم والقتل بالخازوق والتنكيل في الكراكة، وتدخل بعض القناصل في حالات لتخفيف عذابات بعض الضحايا، ثم خيانة الصادق باي ( المتوحش) بالتنازل عن سيادة تونس لفرنسا فيما سمي بمعاهدة باردو خوفا من أن يتم عزله.
ليلة 17 نوفمبر 2016 في سيدي بوسعيد، يعلن من وصفوا بالبرابرة لأنفسهم وللعالم أنهم يعملون على التخلص من ماضي التوحش ويريدون وضع حد لجراحه الكامنة في النفوس والتي إن لم يتم علاجها تبقى كالنار تحت الرماد تهدد وحدة البلاد وسلمها المدني، وأنهم يعملون على ذلك في إطار توجّه متحضر لا مكان فيه للانتقام وإنما لمصارحة ومحاسبة تنتهي بمصالحة.
رئيس الجمهورية تغيّب وفوّت على نفسه وعلى تونس فرصة تاريخية لإعلان أنّ ممثل الدولة والساهر على احترام دستورها يدعم مسار العدالة الانتقالية فيها، ولكنه اختار أن يكون على هامش تقدم البلاد.
ويرى البعض أنّ الرئيس خشي أن توجه إليه من الحضور اتهامات بالتورط في تجاوزات الماضي، ولكن هذا ما كان ليحصل أبدا، فرئيس الجمهورية يُنتقد عبر وسائل الإعلام نعم، ولكنه يعامل بالتبجيل والاحترام عند حضوره، فهو رمز الدولة ورئيسها الشرعي بقطع النظر عن أي رأي في ظروف انتخابه، كما أنّه بالنظر لنوعيّة الناس الحاضرين في جلسة الاستماع، فإنّهم ما كانوا ليستقبلوه بغير التصفيق، فالفوضيون والحمد لله من جماعته وهم لا يحضرون مثل هذه المناسبات.
رئيس الحكومة وهو سياسي شاب، عاش مدة في الغرب، ومن المفروض أنه تابع مواقف المجتمع المدني والصحافة هناك من وحشية نظام بن علي ومن المفروض أنه علم بدعمهم وتبجيلهم لضحايا الاستبداد التونسي عند زيارة بلدانهم، وبأنّ قوى مؤثّرة في الغرب بقطع النظر عن موقف حكامهم المتقلب والمختلف من دولة إلى أخرى، فرحوا بالثورة التونسية. كان من المفروض أن تظهر صورته في جلسة الأمس المهيبة، حتى يعلم الجميع أنّ العدالة الانتقالية موضوع وفاق في الدولة ونكسب تعاطف قوى مؤثرة، خاصة ونحن نستعد لمؤتمر دولي للاستثمار في تونس، والمستثمر الأجنبي يراجع مدى توفر كثير من المعايير قبل الاستثمار، من بينها الاستقرار.
بدل هذا التوجه، اختار رئيس الحكومة أن يغيب الأمس ويتحفنا صباح اليوم بموقف من معركة حصلت سنة 2012 تم التهديد فيها بسيف وتم استعمال المولوتوف فيها من طرف شق، كما تم استعمال الضرب والسحل من طرف شق ثان لتنتهي بسقوط قتيل رحمه الله، وبتسليط حكم على ممارسي العنف من الفريقين مع فتح الباب لدرجة الثانية يمكن أن يوفّق فيها القضاء للبت مجددا في علاقة الموت بالعنف أو في نسبة العنف المفضي للموت لأحد المتهمين، كما يحصل ذلك في عشرات القضايا المماثلة التي تنظر فيها المحاكم، وهو أمر لا حق لأحد في نقاشه وخاصة إذا كان رئيس حكومة قبل نشر حكم المحكمة الذي لم يقع تلخيصه بعد ولا أحد يعرف ما جاء فيه غير من أصدروه.
فوّت السيد الشاهد على نفسه فرصة للدعاية لمسار بلاده المشرّف الذي يتبعه العالم باهتمام وخيّر أن يظهر صباح اليوم كممثل لحزب “الفانتا” على أن يكون رئيس حكومتنا الذي نفخر به بقطع النظر عن انتمائه الحزبي.
ومع ذلك تونس يجب أن تتقدّم …
محمّد عبّو

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *