الجمعة , 5 مارس 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / قرية الأخوة – ساقية سيدي يوسف

قرية الأخوة – ساقية سيدي يوسف

“إنّ التاريخ في ظاهره لا يزيد عن اخبار وفي باطنه نظر وتحقيق”

لم يكن ذاك الصبي المتحامل من دثار فراشه ووفير وسادته إلى مدرسته بالتلة المقابلة يحسب أنه الوداع الأخير لأمه الحالمة بشاب يافع يسلك درب بناة الدولة ورجال الحركة الوطنية للدولة التونسية المستقلة حديثا. في واقع الأمر لقد أغفلت لسنوات عدسات المثقفين وكاميرات المبدعين من مسلسلات وأفلام قصيرة أو أفلام كرتون للناشئة تخلد السلام الأخير أو لعله قبل الأخير، فكلا الابن وأمه على موعد بعد حين في طريق السماء الطويل وهي التي ما انفكت تغمض عينيه حتى لا يُر ما بعثرت يد المحتل الغاشم خلفهما من تلك القرية الصغيرة التي لم يكتشف كل ربوعها وأركانها أو حتى قراءة أسماء أنهجها.

لقد كان يوم السبت 8 فيفري لسنة 1958 يوم سوق بالمنطقة، ضف على ذلك حضور منظمتي الهلال والصليب الأحمر لتوزيع بعض المعونة والمساعدات فقد كانت المنطقة تشهد حركية دسمة لم تكن تخفى على مسامع المحتل الذي انتقى ذلك التوقيت بعناية ونهم للتوحش والجريمة.

انتهى فصل الحادية عشر صباحا ولكن جرس المدرسة لم يسمع فقد كان دوي صوت 25 مقاتلة حربية للمحتل اخترقت المجال والسيادة التونسية وهي تقصف القرية. يجتاز الآفاق بجلبة مدافعه وعقيرة مراميه، مخلفة بين السبعين إلى المئة شهيدا وقرابة الأربع مئة جريح وعشرات المباني ودار المندوبية ومدرسة الصبي وخلانه الإحدى عشر.

 لم تكن ألواح ذلك الصبي سوى مدونة بين الركام لقرية الأخوة أو قرية ساقية سيدي يوسف، التي عوقبت جماعيا لإسنادها لجيش التحرير الجزائري منطقة إمداد بالمؤن والسلاح فقد كانت منطقة حدودية بين مدينة الكاف التونسية وسوق هراس الجزائرية. ربما يعتري الشك بعض السرديات وينقبض أمام حتمية الأرقام وجمودها، إلا في هذه الملحمة قد تختلف أرقام وتعداد الضحايا وتحسم الجدال حتمية الأخوة التونسية الجزائرية التي كتبت بالافتداء وطبعت بأحمر الشهادة ليروي الشجر والحجر قصة شعب واحد في دولتين اختار الصمود أمام مراوحات الترهيب والترغيب.

لم تنل تلك الحادثة من عزم الشعبين على مواصلة كفاحهما، بالعكس فقد تجسد التضامن أكثر فأكثر بعد إنشاء جبهة الدفاع المشترك، بموجب اللائحة التاريخية التي صادقت عليه التشكيلات السياسية، ممثلة في جبهة التحرير الوطني وحزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي، وذلك خلال أشغال الندوة التي احتضنتها مدينة طنجة المغربية أيام27 و28 و29 أفريل 1958 وخرج المجتمعون ببيان مشترك يؤكد دعم تونس والمغرب للثورة الجزائرية.

وتلك  الأيام نداولها بين الناس فهاهي الجزائر اليوم تراسل شقيقتها تونس في الذكرى 63 بمساعدات طبية في مواجهة جائحة كورونا عرفانا ووفاءً وكأن حال لسان الدولتين يقسم على اقتران المصير في السراء والضراء، على أمل أن تتحقق أحلام ذاك الصبي من سكة الحديد ومنطقة تجارة حرة ونظرة مسترابة لجواز سفر وتربيتة كتف وهمسة ” أنت لا تحتاج هذا هنا “.

أردنا من هذه السردية اصباغ بعضا من الرواية علها تستهوي رساما أو نحاتا أو مخرجا سينمائيا ليزرع في أجيالنا عميق محبة هذا الوطن.

بقلم طه همامي

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *