الأحد , 9 ديسمبر 2018
الرئيسية / الإقتصاد / قراءة في التوازنات المالية لسنة 2019

قراءة في التوازنات المالية لسنة 2019

تماما كما السنوات الماضية لم يتغير شيء في طريقة إعداد قانون المالية لعام 2019، و ظلّت المقاربة المحاسبية هي الغالبة إجمالا في صياغة مشروع القانون إذا ما أستثنينا تنزيل بعض المعايير التي يشترطها الإتحاد الأوروبي مثل الضريبة على شركات الأوفشور و توحيدها مع ضريبة الشركات المحلية،
في حين أنّ المتعارف عليه أنّ قانون المالية يعكس السياسات العامة للدولة لتطوير الواقع الإقتصادي و الإجتماعي و دفع نسق النموّ و خلق مواطن الشغل و تحسين الواقع المعيشي للمواطن عبر إجراءات و آليات مرتبطة بالإصلاح الجبائي و الإستثمار العمومي و الإنفاق العام.
فما إحتواه مشروع قانون المالية 2019 لا يعكس رؤية و تصوّر إستراتيجي و خطّ ناظم يربط بينها في إتجاه بوصلة واضحة لمعالجة مكامن الأزمة الإقتصادية و الإجتماعية الراهنة التي تعيش في حلقة مفرغة ناتجة عن تفاقم العجز التجاري الذي بلغ 16 مليار دينار في موفى أكتوبر 2018 و تدهور العجز الجاري (8,2% لحد سبتمبر 2018 حسب البنك المركزي) مقارنة بالسنة الفارطة و تدهور سعر صرف الدينار ممّا أدّى إلى إرتفاع المديونية العمومية و إرتفاع قياسي غير مسبوق لنسبة التضخّم و إنكماش الإستثمار أهمّ محرّكات النموّ الإقتصادي.

و غابت عن مشروع القانون أي ترجمة لكبرى عناوين المخطط الخماسي للتنمية 2016-2020 الذي قاربت مدة نهايته دون أن ينجز منه الشيء القليل، و بدى واضح للعيان الفارق الشاسع بين توقعات المؤشرات الإقتصادية في المخطط و نظيرتها في قوانين المالية المتعاقبة التي إنحرفت كثيرًا عن الأهداف المبرمجة و نذكر منها على سبيل الذكر التحكم في تطور الأسعار التي أثقلت كاهل المواطن التونسي و التي هدف مخطط التنمية إلى حصرها في حدود 3,6% مع نهاية 2018 لكن على مستوى الإنجاز فقد فشلت الحكومة فشلا ذريعا في تحقيق ذلك بل أنّ التضخم سيكون هاته السنة في مستوى معدّل 7,5% حسب البنك المركزي.

I- فرضيات غير ذي مصداقية لميزانية 2019

إعتمدت تقديرات ميزانية الدولة لسنة 2019 على الفرضيات التالية :
– نسبة نمو ب3,1% من الناتج المحلي الخام
– معدّل سعر برميل النفط ب75 دولار

بالنسبة للنمو الإقتصادي و بالمقارنة مع نتائج سنة 2018، الذي راجعت فيه الحكومة تقديراتها بخصوصه من 3% إلى 2,6% (رغم النتائج الإستثنائية التي حققها إنتاج القطاع الفلاحي في محصول زيت الزيتون و التمور و أيضا التحسّن الملحوظ في إيرادت القطاع السياحي)، فإنّ التقديرات المعلنة لتحقيق نسبة نمو في سنة 2019 ب3,1% تشكو نقص في المصداقية لعدة أسباب، أهمها ما أعلنته وزارة الفلاحة عن توقعاتها بتراجع محصول الموسم الفلاحي الجديد المتعلّق بزيت الزيتون، و غياب أي مؤشرات حقيقية لإمكانية تحسّن هام لمردود الصناعات المعملية أو إنتعاش في قطاع الفسفاط الذي يشهد تراجع ملحوظ في الإنتاج و عدم إسترجاع الحصص التقليدية في تزويد السوق العالمية.
أمّا الفرضية المتعلقة بسعر برميل النفط فتبدو أقل ممّا هو متوقّع في الأسواق العالمية للسنة القادمة بسبب إرتفاع الطلب العالمي المتزايد و تراجع الإنتاج و عدم الإستقرار في بعض المناطق المنتجة للنفط و العقوبات الأخيرة على إيران.

اللافت للإنتباه في فرضيات إعداد ميزانية الدولة لسنة 2019 هو غياب التقديرات لسعر صرف الدينار مقابل العملات الرئيسيّة الدولار و اليورو، و يمكن أن يحمل هذا الغياب شكوك حول نية عدم الإفصاح على توقعات الحكومة بتواصل إنزلاق سعر الدينار في السنة القادمة كما يوّكد على ذلك صندوق النقد الدولي في بياناته الأخيرة لإضفاء مزيد من “المرونة” على سعر الصرف.

II- توازنات الميزانية هشة
يقدّر حجم الميزانية لسنة 2019 ب40,8 مليار دينار، بزيادة 8,5% مقارنة مع سنة 2018، و هذا الحجم يمثل تقريبا 35% من الناتج المحلي الخام و هي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية.

  • كتلة الأجور :

المفاجئ في ميزانية 2019 أنّ كتلة الأجور ستشهد إرتفاع هام بنسبة 11,5% مقارنة بسنة 2018 لتمرّ من 14814 م.د إلى 16515 م.د، و ذلك بالرغم من الإنخفاظ المتوقّع في عدد الموظفين، و سبب هذا الإرتفاع راجع إلى إيقاف العمل بالإعتماد الجبائي الذي أقرّته الحكومة في 2017 و 2018 للإيهام حينها أنّ كتلة الأجور لم ترتفع (نهاية الخدعة).

أمّا بالنسبة للإنتدابات فإن الحكومة أعلنت أنّ سنة 2019 ستشهد تعويض واحد فقط لكل أربعة مغادرين و هو ما يعني أنّ عدد الموظفين في القطاع العام سينخفض ب14 ألف من إجمالي 620 ألف (حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء) أي بنسبة 2%.

  • نفقات التنمية :

ستشهد ميزانية التنمية إرتفاع طفيف بنسبة 4,3%, لكن إذا ما قارناها بنسبة التضخم التي تناهز ال7,5% يمكن إعتبارها ستنخفض، و يتأكد هذا عندما نقيس النسبة من الناتج المحلي الخام فنجدها مرّت من 5,6% في سنة 2018 إلى 5,3% في سنة 2019.
و هذا يؤكد فعلا أنّ التنمية ليست من أولويات هاته الحكومة بقدر أولوية التعديل المحاسبي للموازنات لكي تتماشى مع ما يطلب المانحين من المؤسسات المالية الدولية لا أكثر، و يبدو هذا جليا مثلا في الإنخفاظ الكبير في ميزانية وزارة التجهيز (-24%) التي ستمرّ من 1,6 مليار دينار إلى 1,2 مليار دينار بالرغم أنّ البنية التحتية تحتاج إستثمارات و مشاريع كبيرة لمعالجة النقائص العديدة التي كشفتها الأمطار الأخيرة.

  • الدين العمومي :

ستحتاج الدولة خلال سنة 2019 إلى إقتراض 10142 م.د و تسدّد قروض بما قيمته 9307 م.د، أي أنّ أكثر من 90% من الإقتراض سيذهب لتسديد الديون و ليس للإستثمار في المشاريع التنموية و خلق الثورة. و بهذا سيرتفع حجم الدين العمومي خلال السنة القادمة إلى 82890 م.د بزيادة 6820 م.د مقارنة بسنة 2018.
و إذ تتوقع الحكومة إنخفاض النسبة من الناتج المحلي الخام من 71,7% إلى 70,9% فيبقى هذا التقدير كغيره من التقديرات ضعيف المصداقية و نتوقّع أن تقوم بتحيين ذلك في قانون المالية التكميلي لسنة 2019.

شكري الجلاصي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *