السبت , 17 نوفمبر 2018
الرئيسية / الإقتصاد / في ضرورة التكامل الاقتصادي بين دول المغرب 

في ضرورة التكامل الاقتصادي بين دول المغرب 

 

إقترح رؤساء أحد الأحزاب مؤخرا عملة موحدة مع الجارة الجزائر و سوق مشتركة معها، هذه المقترحات هي في الحقيقة ليست جديدة، فكل الأحزاب التونسية تحدثت عن ضرورة التكامل الإقتصادي بين الدول المغاربية و هذا الموقف تبنته هذه الدول منذ سنوات و لهذا تم إحداث منظمة إتحاد المغرب العربي سنة 1989، و تتمثل أهداف هذه المنظمة أساسا في فتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع و ورؤوس الأموال فيما بينها و تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء (إضافة لأهداف أخرى ديبلوماسية و دفاعية و ثقافية)

 

طبعا لا داعي للحديث عن الفشل في تحقيق هذه الأهداف فهذا ظاهر للعيان، فمثلا في خصوص حرية التنقل نجد الحدود بين الجزائر و المغرب مغلقة منذ 1994 و ذلك بقرار جزائري، نفس الشيء بخصوص حرية تنقل السلع فالسوق الجزائرية هي أيضا مغلقة أمام بعض السلع التونسية مثل الحليب (لكنها في المقابل مفتوحة أمام تهريب البقر نحوها) و التجارة إجمالا بين دول المغرب تعد هامشية حيث لم تتجاوز نسبتها سنة 2015 ال 5% من مجمل المبادلات التجارية لدول المغرب (و هي من بين الأضعف في العالم.)

 

ما سنتحدث عنه هو المنافع الإقتصادية المفترضة من الإندماج أو التكامل الإقتصادي بين دول المغرب .

بلغ عدد سكان دول المغرب العربي سنة 2018 و هو ما يضعه في المرتبة 14 عالميا بعد الفيليبين و قبل مصر و إحتل المغرب العربي المرتبة السابعة عالميا من ناحية المساحة بأكثر من ستة مليون كم²، و تمتلك دول المغرب إحتياطات ضخمة من النفط و الغاز و المواد المنجمية (فسفاط، زنك، حديد..) و أراضي فلاحة شاسعة و خصبة إضافة للثروات البديلة كالشمس و الهواء، لكن في المقابل نجد ناتجه الداخلي الخام لا يتجاوز 432 مليار دولار في المرتبة 27 عالميا (0،5% من الناتج العالمي) أما دخل الفرد فيبلغ 4107 دولار في المرتبة 111 عالميا (!)

 

نلاحظ إذا هنا مفارقة غريبة بين إمكانيات المنطقة و واقعها الإقتصادي، بين منطقة إستراتيجية تقع بين إفريقيا و أوروبا، لها مساحة ديمغرافية واسعة تحتوي على ثروات طبيعية ضخمة و يعيش فيها عدد كبير من السكان أكثرهم شباب متعلم بما يعنيه من كفاءات و سوق إستهلاكية ضخمة من جهة، و واقع إقتصادي و إجتماعي متردي من جهة أخرى حيث توجد في المنطقة نسب هي من بين الأعلى في العالم في الفقر و البطالة و اللامساواة و اللاعدالة.

هنا يمكن الحديث عن أحد عوامل النجاح الإقتصادي لمنطقة المغرب الكبير (و خاصة تونس) المهدورة و هو الإندماج أو التكامل الإقتصادي بين دول المنطقة الذي بإمكانه أن يحقق طفرة إقتصادية كبيرة لهذه الدول، و بالإندماج الإقتصادي نعني أساسا عملية دمج جميع الأسواق داخل فضاء إقتصادي موحد (أسواق السلع و الخدمات و أسواق العمل و أسواق النقد) حتى تصبح إمتدادات لبعضها بعضا، من أجل ضمان تنقل حر و من دون قيود للسلع و العمالة و رأس المال. كما تقتضي العملية إلغاء كل أشكال التمييز بين الوحدات الإنتاجية المنتمية لهذا الفضاء بغض النظر عن جنسيتها أو موطنها الضريبي، و توحيد السياسات الإقتصادية المتبعة على مستوى التجارة و الشركات و المنافسة و الضرائب و أسواق العمل و القطاع المصرفي و أسواق العمل.

إن الخسارة الإقتصادية ل”اللامغرب” للدول المغاربية كبيرة جدا و لا يمكن تحملها و خاصة مأسوف عليها لحالة التي كان أن يكون عليها المغرب الكبير لو كان هناك تكامل إقتصادي بينه، ففي دراسة قام بها البنك العالمي سنة 2006 حول هذا الموضوع، تبيّن للباحثين أنّه لو تم تفعيل تكامل إقتصادي جذري و معمق بين الدول المغاربية و كان هذا الإندماج متبوع بتحرير الإنتاج و إصلاح مناخ الإستثمار لتضاعف دخل الفرد المغاربي بين 2005 و 2015 و قد صرح العديد من خبراء الإقتصاد أن كلفة اللامغرب خلال العقدين الماضيين تمثلت في ضياع 10 مليون منصب شغل إضافي و أكثر من 800 مليار دولار من المداخيل. كما قال البنك الدولي أن تفعيل الإندماج الإقتصادي سيربح الدول المغاربية ما بين 3 و 9 مليار دولار سنويا، و يقول نفس البنك أن كل دولة بإمكانها أن تربح أكثر من 2% من نسب النمو، مع العلم أن نقطة نمو في تونس توفر 15 ألف موطن شغل أي بإمكان تونس أن تكسب سنويا على الأقل 30 ألف موطن شغل في حال تحقق هذا الإكتمال دون الحديث عن المنافع الأخرى الغير مبشارة مثل تحسين جودة الحياة و مناخ الإستثمار و غيره.

 

إن أسباب إنعدام تحقق هذا التكامل أو الإندماج يفسره البعض بغياب البنية التحتية الكفيلة بتحقيق هذا و لكن هذا لا يمت للواقع بصلة فالطريق السيارة المغاربية و التي تربط المغرب بليبيا تقترب من الإنتهاء حيث سيكمل الطرف التونسي جزءه من الطريق بحلول سنة 2020، كما تحتوي المنطقة على عديد الموانئ الهامة و المطارات الدولية (التي تحتاج لتطوير بكل تأكيد خاصة على مستوى السكك الحديدية)، السبب الرئيسي كما يعلمه الجميع هو سياسي، و يتمثل العائق كما هو معروف في الخلاف الجزائري-المغربي حول قضية الصحراء حيث تسبب هذا الصراع في نشوء عداوة بين البلدين و في غلق الحدود بينهما ما مثّل بحكم أمر الواقع إغتيالا للقضية المغاربية.

و هنالك أيضا عوامل آخري لا يمكن إنكار دورها في حدوث هذه القطيعة، و أذكر هنا تأثير الدول الكلونيالية الأوروبية و خاصة فرنسا و إيطاليا و حتى إسبانيا و ألمانيا التّي يخدمها اكثر مغرب عربي مقسم بين عدة دول ضعيفة لا يمكن لها أن تنافس بتكافئ و الند للند مع الأوروبيين حول الإتفاقيات الإقتصادية التّي يتم التفاوض حولها، كما أن بعض الدول الأوروبية تربح بشكل مباشر من هذا الخلاف، فمثلا و بخصوص القطيعة بين الجزائر و المغرب فإن العلاقات التجارية بنهما لا تزال موجودة و لكن تبادل البضائع بينهما يتم عبر ميناء مرسيليا الفرنسي (بما يعنيه ذلك من رسوم الموانئ و المنائر و المكوث) في حين بإمكان هذه البضائع أن تُنقل برا لو فتحت الحدود بين البلدين!

إن تكلفة اللامغرب باهضة خاصة لتونس التّي إستثمرت في السابق كثيرا في تنمية علاقتها مع دول الجوار، فليبيا تمثل ثقل إقتصادي كبير في المنطقة و خاصة بالنسبة لنا كتونسيين، فقبل الثورة كانت قيمة المبادلات بين البلدين أكثر من ملياري دولار أما بعد الثورة فقد تراجعت كثيرا لتصل سنة 2017 إلى ما دون ال400 مليون دولار أي أقل من الربع، أما عدد العمال التونسيين في ليبيا فقد كان يتجاوز قبل الثورة 300 ألف عامل أما الآن فأصبح لا يتجاوز ال120 ألف و هو نقص كبير لبلد يعاني من نسب بطالك مرتفعة، و يمكن القول نفس الشيء على الجزائر التي بإمكانها أن تمثل سوقا كبيرا للبضائع التونسية إذا ما تم إلغاء الحواجز الجمركية الكبيرة التّي توضع أمامها و التّي لا مبرر حقيقي لها.

 

كل هذا يجعل من واجب الديبلوماسية التونسية أن تركز إهتماما أكبر للقضية المغاربية و لحلحلة الخلاف بين المغرب و الجزائر و محاولة تفعيل إتحاد المغرب العربي و تحقيق الإندماج الإقتصادي بين دول المنطقة المغاربية، و هنا يبرز دور الأحزاب السياسية التّي تتطلع للحكم (كالتيار الديمقراطي) لوضع خطة كاملة لتحقيق هذه الأهداف أي الإندماج الإقتصادي المغاربي من خلال حرية تنقل الأفراد و البضائع و خدمات و رؤوس المال و وضع سياسات إقتصادية متكاملة بين دول المغرب و تنمية علاقات المغربي العربي مع إفريقيا جنوب الصحراء. هذا ما تقوم به الأحزاب الجادة و التّي تريد توظيف السلطة من أجل خدمة الوطن و مصالحه.

نضال بالشريفة

 

 

المصادر :

موسوعة قناة الجزيرة 

مقالات صدرت بكل من مواقع الصباح، ساسة بوست

 المنتدى الإقتصادي العالمي

Economic Integration in the Maghreb – The World Bank

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *