الجمعة , 23 أكتوبر 2020
الرئيسية / مقالات و آراء / في سبيل بناء دولة المواطنة

في سبيل بناء دولة المواطنة

في إطار التّحول الأعرج الّذي تشهده تونس منذ 1957 ، بُعيد إعلان الجمهورية و إلغاء النظام الملكي ، و ما يرافقه من تغيير عميق في طبيعة الحكم (مطلق) و شرعيّته ( شرعيّة الدّم أو النّسب) بعد قرون طويلة من تطويع الشّعب للقبول و الإقرار بنظام الحكم بالتّرغيب (مناصب عليا، إمتيازات إجتماعيّة و إقتصاديّة و جهويّة و قبليّة و دينيّة) أو بالتّرهيب (قمع الإحتجاجات، سجون ، منافي، ضرائب مشطّة ، التّجنيد القسري و المنع من التّرقيات داخل الجيش “عسكر الزوارة”)، وصل المجتمع التّونسي في 2011 للتّمرد و العصيان و المطالبة بإصلاحات هيكليّة تمسّ من جوهر و من توازنات مكوّنات الحكم و مراكز النفوذ داخل “الدّولة اليعقوبيّة” التي بناها بورقيبة و سار على خطاه بن علي، لعلّ أهمّ المطالب تمثّل في مطلب “الكرامة” و هو تتمّة لمسار بناء الجمهوريّة الديمقراطيّة الذي بدأ منذ 1957.

أولى ركائز الحكم التي ثار على بطشها و تعسّفها المواطنون هي المؤسّسة الأمنية، إذ أدرك المواطن بعد عقود من إرساء الجمهوريّة أنه هو مصدر السّلطة ( لم يعد الحاكم يستمد شرعيّته من نسبه أو من الدّين أو من القوّة/الإنجازات) ،و أصبح الشّعب هو مصدر شرعيّة الحاكم الوحيد (بالإنتخاب المباشر و الحر)، و أنّه، كدافع ضرائب، مؤسسات الدولة و خاصّة المؤسّسات الأمنيّة و العسكريّة وُجِدت للسّهر على ضمان أمن البلاد و النّظام العام و خدمة المواطنين بمبدأ التّساوي أمام القانون، لا لِخدمة الحاكم و طُغمته ، و لا لتثبيت أسُسِ حكمٍ بشرعيّة قوّة السلاح.

في الأصل ، بعد إكتشاف الزراعة ، و مع ظهور التّجمعات السُّكانيّة الأولى على سطح الأرض ، ظهرت حاجة النّاس للأمن ، و تم توفيره عبر فتوّات تحمي المزارعين و محاصيلهم و تحمي التّجار مقابل إتاوات ، ثم بدأ هؤلاء الفتوّات في الإستحواذ على أكبر الأراضي و حوّلوها لممتلكاتهم الخاصّة و وفّروا اليد العاملة بقوّة السلاح و العضلات للعمل لفائدتهم مقابل الأمن و الزّهيد من المحصول الزّراعي ، كانت هذه بداية تشكّل طبقة “النُّبلاء” في العالم، و الّذين تراكمت لديهم الثّروة و الأملاك الزراعيّة حتّى إتّفقوا بين بعضهم على إنتخاب ” ملك ” يسوس دولتهم الجديدة/تجمّع مصالحهم بما أن النّظام الملكي هو أكثر نظام يضمن إستمرار مصالحهم، و كانت المفاهمة مبنيّة على وراثة العائلة المالكة الحكم حصرًا ، مقابل أن تورّث طبقة النبلاء نسلها مكانتها و إمتيازاتها و وظائفها العسكريّة العليا داخل الدولة ، و كان من المستحيل القبول بأبناء العامة ضمن جيشهم خوفا من تمرّدهم عليهم (من يمتلك قوّة السلاح يمتلك الحكم و الأرض و كل شيء) ، و مع عصر التنوير و بداية الثّورات البورجوازيّة (طبقة التجار المقصية من دائرة الحكم) ، طرأت تغييرات على طبيعة علاقة ” حاملي السلاح/أصحاب الحق في العنف الشّرعي ” مع المواطن ، فإنّ التغيير الطّارئ على طبيعة شرعيّة الحاكم الّتي أصبحت ممتدّة من المواطن المتمتّع بكامل حقوقه المدنية، أفضت إلى المساواة بين المواطن و حامل السلاح ، و أصبحت علاقتهما مبنيّة على قوانين و أعراف تؤطّرها و لا مجال فيها للضّيم و لا للظلم، و لم يعد حمل السلاح و لا الوظائف العليا في الدّولة حكرا على أفراد طبقة النّبلاء.

في تونس ، دخلت البلاد في مسار بناء دولة المواطنة بطريقة عرجاء ، فالحكم الرّئاسي المطلق و المؤبد ،و دائرة الحكم الأرستقراطيّة المليئة بالمتمعّشين من الصفقات العمومية و الإمتيازات الإحتكاريّة و المتشابكةِ مصالحها مع مصالح الرأسمال الأجنبي ، و اللوبيّات الجهويّة (سواحليّة/بلديّة/صفاقسيّة) و الفئوية (إتحاد الشغل/إتحاد الأعراف) و القطاعيّة ، كلّ من سبق ذكرهم في حاجة لقوّةٍ لتثبيت نظام حكمهم الفاسد للحفاظ على تواصل إمتيازاتهم الفاسدة، فقاموا بترذيل العمل الأمني و العسكري ، حيث كانت الرّواتب الشّهرية ضعيفة جدّا قبل 2011 ، في المقابل تمّ التّغاضي عن إرتشاء أعوان الدولة من أمنيّين و غيرهم لتعويضهم على ضعف أجورهم و جعلهم ” شركاء ” في منظومة فسادهم.

ان من أولى أوليّات المرحلة الرّاهنة هي بناء علاقة ثقة بين المواطنين (مصدر الشرعية المتمتّع بحقوقه المدنية و المواطن حامل السّلاح و صاحب القوّة الّتي تحمي الدّولة) ، و على الحاكم و عقل الدولة أن يؤسّسوا لنظام حكمٍ يتساوى فيه الجميع و يعمل فيه كلّ المواطنون على تثبيت أركان الدولة و حماية الشرعيّة وفق عقدٍ إجتماعيٍّ يُحترم تطبيقه في كامل البلاد ، يعزّز شعور الإنتماء الوطنيِّ لدى المهمشّين و المستغلّين إقتصاديًّا في دواخل البلاد و يجعل منّا شعبًا كريما لدولةٍ حديثة و محترمةٍ دخلت أخيرا القرن الواحد و العشرين متخليّة نهائيًّا و للأبد عن إرثها الرّجعي و الإستبدادي.

محمود الشارني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *