الأربعاء , 22 مايو 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / في الاستحقاق الانتخابي القادم

في الاستحقاق الانتخابي القادم

تعيش الساحة السياسيّة في تونس على وقع الانتخابات القادمة تشريعيّة و رئاسيّة و هي فترة تنشط فيها الأحزاب السياسيّة و القائمات المستقلّة و تتشكل التحالفات و تعقد صفقات الولاء و الزبونية و كذلك تنشط لوبيات المال و الأعمال في دعم هذا و سحب البساط من تحت ذاك خدمة لمصالحها و أهدافها و تدخل على الخطّ أيضا أطراف خارجيّة تريد تمرير أجنداتها و تنفيذ مخطّطاتها فيختلط الحابل بالنابل و يلتبس الحق بالباطل و تشرئبّ الأعناق إلى وسائل الإعلام المختلفة التي تبحث في مثل هذه المناسبات على تموقعات جديدة و اصطفافات لتصفية حسابات سابقة و بناء ولاءات جديدة و مراكز سبر الآراء التي تتمعش من مثل هذه المناسبات و تزيّف الآراء و النوايا و تتلاعب بالنتائج و الوقائع … و في خضمّ هذه المعركة المتعددة الأطراف يجد المواطن الكريم صاحب الصوت و الموقف نفسه تائها أو هو كالتائه بين مطرقة هذا و سندان ذاك كل يخطب ودّه و يغريه بما يشتهي و يُمنّيه بما يطلب فقط بمعسول الكلام و السراب الخلّب في معظم الأحيان فتأخذه عاصفة لا يستفيق منها إلا حين تضع حرب الانتخابات أوزارها و تخرج نتائجها …

و كغيره من الأحزاب فإنّ هذا الشأن المهم يعني حزب التيار الديمقراطيّ ليضبط له خريطة طريق و منهج عمل يستطيع من خلاله أن يخوض معركته و يحصل ما يطمح إليه من نتائج تزيد الحزب انتشارا و توسعا و تجعل الخيار الاجتماعي الديمقراطي خيارا وازنا و كتلة سياسيّة أمام الناخب و في هذا الإطار اسوق فقط بعض الملاحظات و القراءات للواقع السياسيّ خاصّة في علاقة بالناخب و أنواعه ليتم التحرّك وفق ذلك من أجل وضع استراتيجية واضحة و بناء خطاب سياسيّ يحقق الحد الأدنى من النجاح و الفاعليّة و يعمل على تغيير وعي الناس بالانتخابات و أهميتها و الهدف المرجو منها …

الملاحظة الأولى تتعلّق بموروث العمليّة الانتخابيّة و رؤية الكثير من الناس لها ، و تتعلّق بطيف واسع من كبار السن خاصّة ممّن تعوّدوا الاقبال على صناديق الاقتراع و على العمليّة الانتخابيّة التي لا تعدو أن تكون عندهم مجرّد تزكية للنظام القائم و تأكيد الولاء له و إعطائه شرعيّة وهميّة و ذلك نتيجة لما قامت به الانظمة الدكتاتوريّة السابقة من تعدّ على الديمقراطيّة و تشويهها ، فدكتاتوريّة الحزب الواحد و الشخص الواحد و الرئاسة مدى الحياة و تجديد العهدة لمرات و مرات لم تنأى بنفسها عن الديمقراطيّة و عن الاقتراع بل ما فتئت تؤكّد تمسكها بالديمقراطيّة و العمليّة الانتخابيّة التي تضع نتائجها مسبقا فتدفع الناس إليها طلبا لتأكيد الولاء و ممارسة ” الحق الديمقراطيّ ” فرسّخت لدى هذه الفئة تصوّرا مشوها للعمليّة الانتخابيّة وزيّفت وعي الناس بها فالمواطن اليوم ليس حديث عهد بالديمقراطيّة و بالانتخابات كما يعتقد البعض بل هو صاحب تصور للديمقراطيّة و الانتخابات لكنه تصوّر خاطئ يصعب إصلاحه وتقويمه لأنّه يفتقد شرطا مهما هو حريّة الاختيار و المسؤوليّة و الوعي بأهميّة ما يقوم به …

الملاحظة الثانية : إذا كان الانتخاب في ابسط تعريف لها هو اختيار الأنسب ليدير شؤون الحكم و يرعى مصالح الناس و يحقّق انتظاراتهم فإنّ الاختيار لم يكن ثقافة في تونس و لا عند العرب بل في معظم الأحيان يتهربون من هذه العمليّة في مختلف وجوه حياتهم بالمدرسة لا يحسنون اختيار التوجيه و يوكلونه إلى أوليائهم و اساتذتهم بل حتى اختيار ملابسهم لا يخضعونه لقناعتهم و ما يجلب راحتهم بل يتبعون غيرهم و يتبعون الموضة و لو على غير اقتناع و يعهدون به إلى البائع و التاجر فيختار لهم طبعا وفق مصالحه و ما يحقق ربحه بل ترى الزوج يضجر من زوجته و هي ترجوه اختيار وجبة يأكلها ففي المحصلة ينفر التونسيّ من الاختيار في معظم الأحيان و يتوه أمام خيارات مهما كانت بسيطة و قليلة و يتبع في ذلك الاغلبيّة دون وعي و لا كثير بحث و هذا عينه ما يقوم به في اختيار ممثليه و حاكميه في كثير من الاحيان خاصّة حين تكون القائمة امامه طويلة و الاختيارات كثيرة و نحن في تونس ـ ما شاء الله ـ أحزاب كثيرة و قائمات مستقلة متعدّدة ما يزيد المشهد إرباكا و الاصوات تشتيتا فإنّ الناخب سرعان ما ينحاز الى فعل غيره و ما تسير اليه الاغلبيّة جريا على ما تعوّده من تقليد الآخر و التونسيون مولعون غالبا بتقليد بعضهم …

الملاحظة الثالثة : يجب ألاّ نتغافل على أن نتيجة الانتخابات ليست مجرّد قوائم و نتائج حصلها هذا الحزب أو ذاك بل هي انعكاس لدرجة وعي الناخب و طبيعته فلا يجب أن ننسى ما نقوله عن المجتمع و ما ننعته به من كون كثيرين منه يعانون من الجهل و الأميّة والأنانيّة و الجشع و الطمع و عدم الثبات على المبدإ و تصديق الآخر و انطلاء الحيلة عليه و السعي بالوشاية والتعصب للفرد والعشيرة والجهة بل وحتّى الغباء و محدوديّة التفكير… فنتيجة الانتخابات ستعكس طبيعة وعي المواطن و درجة ثقافته و مستوى تفكيره و كل هذه الأمراض التي يعانيها المجتمع ستجد تمظهرها واضحا في نتيجة الاقتراع و نوعيّة من أوصلهم صندوق الاقتراع لسدّة الحكم ولا اعتقد أن اختراقا مهما حصل في تغيير وعي الناخب و ترشيد سلوكه في السنوات الأخيرة بل ربّما قد استفحل الأمر و تفاقمت الأزمة وازدادت سوءا لما آتاه كثير من رجال السياسة و ووسائل الاعلام …

الملاحظة الرابعة : كثير من التونسيين يخلطون بين الأحزاب الحاكمة و الأحزاب المعارضة و غيرها من الأحزاب فهم يضعونها جميعا في سلّة واحدة و ينسبون إليها جميعا الفشل و الفساد و المسؤولية على ما آلت إليه الأوضاع فلا يكاد الأغلب منهم يميّز بين رجال السياسة الفاسدين و الصالحين فيعزف هؤلاء على العمليّة الانتخابيّة أو ينتخبون كما اتفق بل قد يطبقون شعار ” شد مشومك لا يجيك ما أشوم منه ” فيرسخون واقع الفشل و الفساد و يعيدون انتاج الواقع دون تغييره …

ـ الملاحظة الخامسة : كثير من الناس ينسى البرنامج الانتخابيّ و تاريخ الحزب و مردوديته و موقعه على الساحة السياسية و لا يبقى امامه غير المترشح و قائمته و خاصّة رئيسها و اخلاقه و صفاته و علاقته به و ما قدمه له من اعمال و انتماءه القبلي و الجهوي هذا لم تتدخل عوامل أخرى كمساعدات سابقة وَصلَته أو مال فاسد حصّله و بيع أصوات و شراؤها …وكثيرون يجذبهم البهرج و القوّة و كثرة العدد و كبر التجمعات و يرون الانتخابات نوعا من الصراع و المواجهة مع الآخر بعقليّة مباراة في كرة القدم مصلحة البلاد و العباد آخر محطات الاهتمام …

ليست هذه الملاحظات تقليلا من شأن التونسيّ و لكنها أيضا تهم فئات واسعة منه و ما المشهد السياسيّ اليوم إلا انعكاس لها، ولذلك على حزب التيار الديمقراطيّ أن يراعي هذه الملاحظات و هو يصوغ خطابه السياسيّ وأن يركّزه على نقاط مهمّة يخترق بها الوعي السياسيّ للمواطن التونسيّ و يعيد تشكيله و صياغته وفق ما يحقّق للعمليّة الانتخابيّة جدواها في التغيير و تطوير المشهد السياسيّ نحو الأفضل قطعا مع الماضي و كل اخفاقاته و بناء لمفهوم جديد للعمليّة الانتخابيّة و أهدافها و من ذلك التركيز على أن ما وقع في البلاد هي ثورة و إن حادت عن مسارها و أخطأت أهدافها و أن لنا دستورا يمكن أن نفخر به لو احترمناه و طبقنا فصوله و أن الإصلاح والنهوض و الازدهار كلها إمكانات تأتي بحسن الاختيار و صرف النظر عن النظام القديم و رموزه وأدواته الفاشلة والانفتاح على الاحزاب التي تطرح نفسها بديلا و قدمت أداء جيّدا في المعارضة . ومخاطبة روح الثورة في التونسيين وإعادة الثقة للمواطن في الساسة على أن يميّز الصالح من الفاسد و إفهام الناس أنّ الأحزاب هي الأطر القانونيّة و الفاعلة في العمل السياسي وأن الفاعل الحقيقيّ هو المواطن حين يعرف لمن يعطي صوته …

علي التيس

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *