الجمعة , 5 مارس 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / عقوبة الإعدام في تونس بين القانون والمقاربة الحقوقية

عقوبة الإعدام في تونس بين القانون والمقاربة الحقوقية

ظلت عقوبة الإعدام مكرسة لدى الغرب إلى أن برزت دعوات لالغاءها مع عصر الأنوار بوصفها عقوبة تتنافى والحق في الحياة ولأهمية الإنسان في المجتمع وفي البناء الحضاري.وفي القرن العشرين تعزز هذا المنحى بعد أن نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 على حق الإنسان في الحياة.

ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين تراجعت عقوبة الإعدام في العالم بشكل واسع. كما أن عدم تنفيذ تونس اليوم للإعدام يطرح عدة تساؤلات حول ما إذا كنا نسير نحو إلغاء هذه العقوبة.

فمنذ آخر تنفيذ لها، اعتبر الحقوقيون أنها عقوبة سياسية بامتياز ومحاولة من النظام آنذاك لإرضاء الرأي العام. وهو ما دفع بعديد المنظمات إلى المطالبة بإلغاء هذه العقوبة أهمها الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية التي تقدمت بعد الثورة برسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية للتحرك والدفع من اجل إلغاء عقوبة الإعدام، مطالبة أن تراجع تونس قوانينها التي لا تزال تقر بهذه العقوبة.

كيف تأطرت عقوبة الإعدام في المنظومة القانونية التونسية؟
كان آخر تنفيذ لحكم الإعدام بتونس سنة 1994 بمقتضى الحكم الصادر بتاريخ 17 نوفمبر 1991 عن المحكمة الابتدائية بقرمبالية والذي أكدته محكمة الاستئناف بتونس وأقرته محكمة التعقيب. ويقضي بإعدام الناصر الدامرجي والذي عرف بسفاح نابل شنقا.

تأسست في تونس منظومة قانونية تتعلق بالحقوق والحريات ليس فقط الاقتصادية والسياسية والمدنية ولكن ظهرت بوادر أخرى للحريات الفردية ولكن الحق في الحياة وهو حق طبيعي لا يزال حاملا لاستثناءات فدستور ما بعد الثورة الذي تأسس في 27 جانفي 2014 قد نص في فصله 22 على أن ” الحق في الحياة مقدس. لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون”. فهو إذن لم يجرم عقوبة الإعدام بل اقرها بصفة ضمنية من خلال عبارة ” إلا في حالات قصوى يضبطها القانون”.
لقد أقرت المجلة الجزائية في بابها الثاني الإعدام كعقوبة أصلية من خلال الفصل الخامس.

إضافة إلى ذلك، تنفذ أحكام الإعدام التي تصدرها المحاكم الجزائية شنقا بالحبل حتى الموت على ضوء الفصل السابع من نفس المجلة الذي اقر صراحة انه ” ينفذ حكم الإعدام شنقا”. كما لا ينفذ حكم الإعدام أيام الأعياد، ( عيد الأضحى وعيد الفطر لدى المسلمين. وعيد الجريدة وعيد استير وعيد الفطيرة وعيد العنصرة لدى اليهود. و عيد الصعود وعيد النزول وعيد الميلاد لدى المسيحيين)، إلا إذا نص الحكم على خلاف ذلك.
كما لا يمكن تنفيذ حكم الإعدام على المحكموم عليها التي ثبت حملها إلا بعد أن تضع مولودها.

ولكن إشكالية تنفيذ الأحكام لا تزال مطروحة اليوم إذ رغم الحكم به إلا أن آخر تنفيذ لهذه العقوبة كان سنة 1994 كما اشرنا سابقا.
أما أحكام الإعدام التي تصدرها المحاكم العسكرية فتنفذ رميا بالرصاص، على ضوء الفصل 45 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية، وذلك بعد مصادقة رئيس الجمهورية الذي يعرض عليه الحكم وله الحق في العفو على المحكوم عليه وفي إبدال العقوبة المحكوم بها بأخرى.

كما أن المجلة العسكرية كذلك تمنع تنفيذ الإعدام في عدة أشخاص معا وتنفيذه أيام الجمع والآحاد والأعياد الوطنية والدينية المعينة في الأنظمة والقوانين ويؤجل تنفيذ الإعدام بالحامل إلى أن تضع حملها.
و حسب نفس المجلة، يقرر وزير الدفاع الوطنـي أين يجب أن تنفذ عقوبة الإعدام ويجري التنفيذ في الصباح الباكر على الوجه الآتـي:

أ ـ يؤتى بالمحكوم عليه بالإعدام بحراسة مفرزة إلى ساحة التنفيذ بعد تجريده من جميع الشارات العسكرية ويقرأ عليه الحكم بصوت جهوري ثم تعصب عيناه ويربط إلى عمود.

ب ـ يقوم برمي المحكوم عليه اثنا عشر جنديا بقيادة ضابط.

ج ـ يحضر التنفيذ أحد أعضاء المحكمة التـي أصدرت الحكم والمدعي العام وأحد الأطباء الرسميين وكتابة المحكمة.

د ـ يحرر تقرير في التنفيذ يوقعه احد أعضاء المحكمة التي أصدرت الحكم و المدعي العام وأحد الأطباء الرسميين وكتابة المحكمة ويحفظ بالنيابة العامة.

لماذا نرفض عقوبة الإعدام؟

أولا، إن عقوبة الإعدام غير رادعة، وهو ما أثبتته الدراسات الاجتماعية اليوم. ففي أمريكا، في مدن مثل شيكاغو مثلا، نسبة الحكم بالإعدام كبيرة جدا ولكن نسبة الجرائم في ارتفاع إذ أن هذه العقوبة لا تحد من انتشار الجريمة بل ما يحد منها هو سياسة الدولة التي تلتزم بتاطير مواطنيها وتوفير رفاه ونماء ومناخ لممارسة الحقوق والحريات وتمكينهم منها وخاصة الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية لجميع فئات الشعب.

كذلك، إن هذه العقوبة تمس من الحق في الحياة، وهو حق مقدس، إذ من غير المنصف أو المعقول أن تعاقب الدولة الأفراد على ارتكاب جرائم قتل وان تمارس هذه الجريمة تحت غطاء القانون فتصبح ” جريمة شرعية” لأنها مقننة للدولة دون سواها. فنزع الحياة من الإنسان يجب أن لا يكون مقننا لأنه يظل جريمة ولكن تمارس كعقاب تحت غطاء القانون.
بحيث، وكأن عقوبة الإعدام في الواقع هي اخذ للثأر لإسكات الأفواه أكثر من كونها عقوبة.

إضافة إلى أن إلغاء هذه العقوبة هو ليس إلغاء للعقاب، بل يجب استعمال أنواع للعقاب أكثر تحضرا وتمدنا. و للتوضيح، إذا ما نفذت، يصبح من المستحيل إصلاحها إذا ثبتت براءة المحكوم عليه فالخطأ القضائيL’erreur judiciaire وارد ويصل إلى مراحل كبرى في بعض المجتمعات.

مروى الفهري
باحثة في القانون العام وقانون الجماعات المحلية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *