السبت , 17 نوفمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / صراع اللوبيات يعصف بالتوازن السياسي الهشّ ويهدّد بمزيد تأزيم الوضع الاقتصادي.

صراع اللوبيات يعصف بالتوازن السياسي الهشّ ويهدّد بمزيد تأزيم الوضع الاقتصادي.

حالة من الترقّب تعيشها بلادنا حلحلة الأزمة السياسية الخانقة، في الوقت الذي يراوح الوضع فيه مكانه. وبعد أن عجزت فيه منظومة الحكم المنبثقة عن انتخابات 2014 والأطراف السياسية المكوّنة لها والموقّعة على وثيقتي قرطاج الأولى والثانية أن تخرج من الدائرة المفرغة التي وقت فيها. هذا إضافة على انقطاع قنوات الحوار بين الأطراف الفاعلة في وثيقتي قرطاج ولاسيما وثيقة قرطاج الثانية التي علّق العمل بها باعثها وهو رئيس الجمهورية، وتخلّى عنها الاتحاد العام التونسي للشغل وهو أكبر الفاعلين في التوازن الهش.
إنّ وضع الهشاشة السياسية الذي تعيشه تونس برزت بشكل جلّي تداعياته الاقتصادية والاجتماعية، وباتت منذ مؤشرات الانهيار الاقتصادي واضحة بفعل تفاقم عجز الميزان التجاري وضعف مؤشرات التنمية والارتفاع المشط للأسعار والتراجع الكبير للمقدرة الشرائية للتونسيين… ويبدو أنّ كل محرّكات النمو الاقتصادي تتجه نحو الشلل التام وهو ما سيؤدّي حتما إلى انهيار الاقتصاد الوطني في ظلّ تعطّل دور الدور الدولة كفاعل اقتصادي من جهة، وانحسار الاستثمار المحلي والأجنبي من جهة ثانية. في المقابل يزداد تنامي الاقتصاد غير المهيكل الذي أصبح يمثّل نسبة تتجاوز 54%.
الثابت أنّ هذا الوضع المهترئ يعود في أحد أسبابه إلى ضعف الدولة وعمق الأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا بفعل غياب الإرادة الحقيقية في إنجاز الإصلاح الاقتصادي الذي يلبّي طموحات التونسيين ويخدم المصلحة الوطنية. لقد بات أكيدا أنّ الائتلاف الحاكم الناتج عن انتخابات 2014 في مختلف نسخه يعيش تناقضات صارخة وحرب مواقع جعلته يدخل بعد مدّة وجيزة في معارك كسر عظام لا تبقي ولا تذر. فمن جهة نجد ائتلاف حكومي هجين ليس له من هدف سوى البقاء في السلطة مهما كان الثمن، وليس للوزراء المكونين لهذه الحكومة من غاية سوى الاحتفاظ بمناصبهم الرفيعة. من جهة ثانية طرف سياسي وحيد داخل هذا الإئتلاف يدعّم هذه الحكومة وهو حركة النهضة يحكمها في موقفها هذا الرغبة الدائمة في البقاء في السلطة وتعتبر أن رئيس الحكومة الحالي هو الضامن للاستقرار، ولكن في الحقيقة هي تعبّر عن مصالح حزبية وشخصية ضيّقة، وتقاتل من أجل الابتقاء على الشاهد باعتباره السبيل الوحيد لقضاء مآربها. من جهة ثالثة يعاني الطرف الرئيسي في هذا الائتلاف الحاكم وهو نداء تونس من تواصل الانشقاقات داخله بين مؤيّدي الشاهد والداعين إلى أقالته. وأعتقد أن أكبر معضلة ومعطّل لمسيرة تونس هو هذا الحزب الذي يعدّ توليفة مركّبة جمعت متناقضات عدّة بين انتهازيين وفاسدين وعناصر متنافرة متصارعة مختلفة سياسيا وايديولوجيا ولوبيات خطيرة جدّا. ومن المفارقات أن هذه التوليفة التنظيمية الهجينة مكّنتها الديمقراطية الفتية من العودة من جديد عبر رسكلة من عمل ضمن المنظومة القديمة وتمكين مجموعة من المتسلّقين من الارتقاء السيطرة على مفاصل الدولة. وقد احتدّت الخلافات بين مكونات هذه التوليفة الهجينة ولاسيما بين العناصر الظاهرة فيها، فقد طفى على السطح الخلاف بين المدير التنفيذي للنداء ورئيس الحكومة الذي وصل إلى منصبه مستندا إلى نفس هذا الحزب. بل أنّ هذا الخلاف اتخذ شكل صراع عنيف وتبادل لاتهامات، وأبرزها الاتهام المباشر الذي وجّه رئيس الحكومة يوسف الشاهد اتهامات للمدير التنفيذي لنداء تونس، والذي هو نفسه نجل الرئيس، معتبرا إيّاه أنّه يخطط إلى تدمير البلاد والحزب. وأصبحت هذه المعركة مباشرة منقولة على وسائل الإعلام السميعية البصرية التي لعبت دورا في هذا الاتجاه أو ذاك، من ذلك مثلا ما صرّح به الشاهد حرفيا على القناة الوطينة أنّ “حافظ قائد السبسي والمحيطون به دمروا الحزب ودفعوا العديد من الكفاءات الى الرحيل عن نداء تونس، هذه ليست أزمة حزبية فقط لأنها تسربت الى مؤسسات الدولة… وسيهدد هذا التوازن السياسي في البلاد، حان الوقت لمسار اصلاحي في الحزب.” وإن كانت هذه التصريحات تنمّ عن خلاف سياسي بين مكوّنات النداء، فإنّها في الحقيقة تخفي صراع لوبيات تتمعّش من أجهزة الدولة ومن موقعها في النداء. ووصراع اللوبيات هذا هو الذي يغذي الأزمات سواء داخل هذا الحزب الحاكم أو خارجه، فللوبيات المال والأعمال دور كبير في التجاذبات لخدمة مصالحها وإضفاء غطاء الشرعية على وجودها. والخطير أن هذه الخلافات تحوّلت إلى صراعات والتناحر مكشوف على السلطة. وصدّر تبعا لذلك نداء تونس أزمته السياسية الداخلية الى مؤسسات الدولة وهياكلها. ويبقى المعطى الأخطر هو تداعيات هذه الأزمة السياسية والحزبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الهش، خاصة وان الاستقرار الاقتصادي رهين الاستقرار والتوازن السياسي، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل تواصل هذه الحرب الضروس وهذا الصراع المحموم على التموقع والمصالح والسلطة وتغييب المصلحة الوطنية وما تفرضه من ضرورات الشروع في الإصلاح الحقيقي الضامن للتنمية وللعدالة الاجتماعية.
رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *