الأحد , 20 سبتمبر 2020
الرئيسية / الإقتصاد / زيت الزيتون: الصابة قياسية والفلاح يستغيث، المشاكل والحلول

زيت الزيتون: الصابة قياسية والفلاح يستغيث، المشاكل والحلول

 

إنّ الصابة القياسية لزيت الزيتون خلال هذا الموسم فتح أعيننا على الخلل الهيكلي الذي تعيشه منظومة زيت الزيتون في تونس، وقد أكّدت بما لا يدعو مجالا للشكّ عن قصور الدولة منذ أمد بعيد في وضع إستراتيجية واضحة المعالم سواء خلال فترات الصابة أو خلال فترات الأزمات. ذلك أنّ خلال هذا الموسم المتميّز كانت استعدادات سلطة الإشراف لتقبّل وفرة الإنتاج ضعيفة جدّا. وقد أدّى ذلك إلى اضطراب غير مسبوق وتعدّدت الأطراف التي تعمل على حلّ هذه الأزمة رغم عدم اختصاصها، إذ عقد رئيس الجمهورية اجتماعا طارئا بقصر قرطاج لهذا الغرض عقبه عقد رئيس البرلمان لاجتماع مماثل بمجلس نواب الشعب بباردو، وتخلّلهما عقد لجنة الفلاحة بالبرلمان لاجتماعات وندوة صحفية للنائب محمد عمّار مرفوقا بممثل اتحاد الفلاحين.

 

وبالاستماع لكل الأطراف المتدخّلة في منظومة زيت الزيتون نتبيّن غياب كامل للتنسيق بينها، ذلك أنّ صابة هذا الموسم والتي تقدّر بـ350 ألف طن زادت بقرابة 30 ألف طن عن السنة السابقة (2017)، كما أنّ خلال الموسم قبل الماضي تمّ تصدير 212 ألف طن وجّه خاصة إلى اوروبا التي تعدّ السوق الأكبر لتجارة زيت الزيتون في العالم. وحسب ما أفاد به وزير الفلاحة، فإنّ الإشكال الأكبر يتمثّل في الفائض الكبير لهذه المادة بالسوق العالمية، وقد تناسى السيد الوزير أنّ مهمّة الدولة تكمن في هذه النقطة بالذات، فسلطة الإشراف مهمتها الأساسية هو دراسة الأسواق واستباق إيجاد الحلول.

 

إنّ الواقع الراهن والأزمة الحالية التي يعيشها قطاع زيت الزيتون يؤكّد غياب منظومة متكاملة ومترابطة لزيت الزيتون من مرحلة الإعداد للصابة إلى مرحلة التسويق، كما تؤكّد تهميشا كليا للفلاح الذي يعدّ الحلقة الأضعف في هذه المنظومة غير المهيكلة والتي يستفيد منها بالأساس المصدّرين والمضاربين في الداخل والخارج. ويتأكّد ذلك أنّ خلال هذا العام وباعتبار غياب رؤية واستراتيجية واضحة، فإنّ موسم الجنيّ لم يتجاوز 15% من مجموع المناطق المغروسة زيتونا، في حين أنّ الوضعية الطبيعية وكما هو الحال خلال السنة المنقضية أن يكون موسم الجني قد بلغ على الأقل نسبة 40%. وعلى هذا الأساس فإنّ الخسارة المقدّرة إلى حدّ الآن تعدّ بقرابة 20% من الصابة، وإذا استمرّ الوضع على ما هو عليه فإنّ الخسارة ستكون أكبر، لذلك فإنّ كل الأطراف المتدخلة الآن مدعوة إلى تكثيف الجهود لإنعاش موسم الجني خلال العشرين يوما المقبلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الصابة الجيّدة.

 

ولئن يؤكّد وزراء الفلاحة والتجارة والمالية أنّ الأزمة تتمثّل خاصة في أزمة وفرة الإنتاج على المستوى العالمي، فإنّ ذلك يعبّر بالتوازي على غياب رؤية شاملة واضطراب في الأدوار بين مختلف المتدخّلين، ذلك أنّ معاصر زيت الزيتون البالغ عددها نحو 1300 معصرة ماتزال تعاني من نقص في التمويل بسبب تراكم ديونها، كما يعاني المصدّر من صعوبة في التسويق، وما زاد في تعقيد الأزمة غياب آليات تعديلية كان يفترض على سلطة الإشراف توفيرها. إذ لم توفّر الدولة سوى 50 مليون دينارا للتغطية دفعت منها سوى 15 مليون دينارا لديوان الزيت وهي مدعوة الآن إلى تضعيف هذا الاعتماد ليصل على الأقل إلى حدود 150 مليون دينارا يخصّص جزء منها للتشجيع على التصدير وجزء آخر لتغطية مصاريف المنتجين من فلاحين وأصحاب معاصر زيت الزيتون، هذا إلى جانب الزيادة في طاقة الخزن التي يمكن أن يتكفّل بها ديوان الزيت.

 

إنّ أزمة زيت الزيتون خلال هذا الموسم فضح غياب سياسة فلاحية متكاملة ومنظومة مترابطة للإنتاج والتوزيع والتصدير والتخزين والتمويل. وبالنسبة إلى هذه النقطة الأخيرة والمتعلّقة بغياب التمويل وتخلّي البنوك الوطنية عن دورها لرصد تمويلات للفلاحة و”المعاصرية” جعل موسم الجني ينطلق متأخّرا، حيث لم تدخل إلى حدّ شهر ديسمبر 2019 سوى 300 معصرة حيز الإنتاج في حين أن خلال السنة السابقة كانت 600 معصرة قد بلغت نسبة هامة من طاقة إنتاجها القصوى. والأكيد أن تقلّص الطلب الإسباني كان له دور في ذلك، فإنّ المشكل الحقيقي يكمن في عجز وزارة الفلاحة على إيجاد عقود تصدير، لذلك فإنّ الديوان الوطني للزيت مدعو إلى رفع كامل الكميات بين نهاية شهر ديسمبر 2019 وجانفي 2020 والترفيع من قدرات التخزين والتي تصل إلى حدود 100 ألف طن ،وتبعا لذلك حلّ مشكل الإعتمادات المالية التي تخصص لشراء زيت زيتون من المعاصر بأسعار تضمن الحدّ الأدنى من الربح للفلاحين والمعاصرية. في ذات الوقت فإنّ سلطة الإشراف مدعوة بدورها إلى البحث عن أسواق جديدة والخروج من الاحتكار الإسباني لتجارة زيت الزيتون، فلا معنى أن يكون 95% من إنتاجنا موجّه للإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسطاء الإسبان بدرجة رئيسية والإيطاليين بدرجة أقل.

 

إنّ المطروح على وزارة الفلاحة اليوم هو وضع منظومة زيت زيتون مترابطة ومتكاملة تتدخّل في حلّ مشكل المديونية والتمويل وتشجيع الاستهلاك الداخلي لزيت الزيتون وتقديم مبادرة تشريعية لتفعيل الدور التعديلي لديوان الزيت وتحديد سعر مرجعي يضمن هامش ربح مقبول للفلاح، هذا إلى جانب توجه الدعم لزيت الزيتون ولا إلى الزيوت النباتية المستوردة دون المسّ من الزيوت النباتية الموجّهة للفئات الفقيرة والمتوسطة.

و يقول النائب محمد عمار عن التيار الديمقراطي أنّ وزارة الفلاحة قد انتهجت سياسة الهروب إلى الأمام و التنصّل من المسؤوليات السياسية والأخلاقية للحكومة الحالية وذلك لمعرفتها المسبقة بوجود صابة منتظرة لزيت الزيتون ولم تتخذ أية إجراءات تحضيرًا لاحتواء هذه الصابة القياسية. وبعد تشخيص مستفيض لواقع القطاع والسوق العالمية تحديدًا اسبانيا باعتبارها أكبر منتج ومصدر لزيت الزيتون، اقترح إلى جانب لجنة الفلاحة بالبرلمان إجراءات عملية تنتظر التنفيذ في أقرب الآجال:

 

– فتح باب القروض لنحو 300 معصرة ممنوعة من الاقتراض لعودتها للنشاط.

 

– توفير خطوط تمويل أخرى لديوان الزيت حتى يتسنى له قبول أغلب الكميات المتوفرة الآن في المعاصر ولدى الفلاحين بغاية التخزين.

 

– توفير جزء من المبلغ المخصص للتجارة البينية العربية لفائدة ديوان الزيت.

 

– قبول مقترح تخصيص مبلغ لا يقل عن 100 مليون دينار مخصص لدعم الزيوت النباتية على ذمة ديوان الزيت لدعم زيت الزيتون التونسي و تقديمه للمستهلك بسعر تنافسي ومعقول جدا وبالتالي التخفيض في توريد الزيوت النباتية.

 

– تقديم مبادرة تشريعية في الغرض لحل اشكالية زيت الزيتون نهائيا.

 

كما دعا النائب محمد عمّار إلى ضرورة عقد اجتماع تقني سريع بين ممثلي وزارتي الفلاحة والتجارة و المالية واتحاد الفلاحين لوضع سعر مرجعي يأخذ في الاعتبار التكلفة الحقيقية للفلاح، ملاحظا أنّ طاقة تونس التخزينية لزيت الزيتون يمكنها احتواء كل الصابة الآن.

 

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *