الأربعاء , 13 نوفمبر 2019
الرئيسية / ثقافة وفن / رواية بين موتين لمحمد علي الشامخي/ الجزء الثاني

رواية بين موتين لمحمد علي الشامخي/ الجزء الثاني

الجزء الثاني

 

كانت ليلة طويلة جدا طويلة إلى درجة أن ڨريكوف شعر أنها ستدوم أبدا، لم يكحل جفنية النوم و لم يستطع أن يجد إليه سبيلا و تضاربت في نفسه مشاعر شتى، شعر أنه محور كل هذه الأحداث بل لعل الحرب برمتها أقيمت لأجله، أحس أن قلبه يقرع كالطبل شوقا للعالم الذي وراء جبهة القتال و لكنه في نفس الوقت مشتاق للمجد الذي ينتظره هنا، ماذا لو تمكن من قنص آخرين؟ ماذا لو سارت الريح كما تشتهي نفسه؟ ربما ناله شرف عظيم، شرف لم ينله أسلافه، ربما دعاه ستالين نفسه إلى قصره و قلده وساما خطيرا يباهي به أقرانه، لكنه إشتاق أمه و حبيبته، إشتاق إلى باب البيت و إلى غرفة الجلوس البسيطة التي لم يعرف البيت غيرها منذ بني، إشتاق إلى بدلة أبيه العسرية المعلقة على الجدار منذ زمن، توفي أبوه فجأة جراء إصابة تلقاها في الحرب العالمية الأولى سببت له عرجا لازمه طويلا و مرضا غريبا نخر جسمه حتى أفناه و تحول من رجل يملك دكانا في الحي إلى بدلة عسكرية لا تنطق و لكنها تشي بتاريخ رجل أهلكه الثلج و الوطن.

كان عمر ڨريكوف قد جاوز العاشرة حين فجعه الموت مازال يتذكر ذلك اليوم الكريه، كان قد غادر المدرسة متجها إلى البيت فتناهى إليه صوت عويل خافت كانت تلك أمه تبكي شريكها الأعرج الذي لم يصبر معها و لم يستطع إكمال المسيرة كما وعدها، رمى بمحفظته و جرى إلى البيت كان الباب مفتوحا و غرفة الجلوس خالية إلا من جارتين لم تقدرا على إجابة طفل يسأل “ماذا حدث؟” فأدارتا رأسيهما و بعينيهما نظرة شفقة مازالت تؤذيه إلى اليوم، ٱندفع إلى غرفة النوم فوجد والده مسجى مغمض العينين لا ينطق و لا يبتسم لوحيده و أمه بجانبه تبكي بمرارة، إقترب من الجثة الباردة و حاول عبثا إيقاظ المسافر الذي رحل منذ حين، تمرغ على صدره و بكى بكاءا مرا كثيرا و شعر لأول مرة بأنه بلا سند، لقد رحل الأعرج الذي ينتقم له إذا آذاه أقرانه و يهب لنجدته إذا همت أمه بضربه لقد فقد كل شيء، إبتسامة الصباح و عينين وديعتين كانتا تلاحقانه في لحظات مرحه و عند ذهابه إلى المدرسة، إنه الموت، أعنف الأحداث و أكثرها وطأة على القلوب، لن يفخر منذ اليوم ببطولات أبيه أيام الحرب و لن يسير إلى جواره مختالا فخورا بهذا الأعرج الذي بترت قذيفة ساقه في ساحة الوغى، لن يسمع تلك الجملة مرة أخرى، لن يسمع أباه يقول

_”خسرت كل روسيا الحرب و لكني إنتصرت”

لن يجلس في المساء إليه من جديد و لن يسمعه يتحدث عن معاركه النادرة و عن ضحاياه الذين لم يقدروا عليه و على رشاشه الذي لا يخطئ هدفا،

_”وداعا أبي”

في الغد ٱمتلأت الدار بالمعزين، رفاقه في الحزب الشيوعي و بعض رفاق السلاح الذين تناساهم الموت و سكان الحي الذين كانوا يحبونه و يجلونه و يستمتعون بحكاياته.

في هذا الليل الذي لا ينتهي شاب تسيل دموعه بلا قدرة منه على كبحها،إنهمرت العبرات الساخنة و كسرت كل هذا البرد.

نهض من مكانه و توجه إلى أقرب جندي حراسة ليطلب منه سيجارة، لم يكن يدخن قبل الإلتحاق بهذا المكان و لكنه صار يمارس أفعالا كثيرة لم تكن جزءا من تركيبته، التدخين هنا مؤشر نضج و ٱكتمال رجولة، و السباب علامة فتوة و قوة و البكاء دليل على الضعف و قلة الحيلة، كل الجنود يبكون في خلواتهم و لكنهم يتصنعون الجلد أمام رفاقهم، كل الجنود أصيبوا بالغثيان و ربما أغمي عليهم مع أول قذيفة مزقت أحد أصحابهم إلى أشلاء و لكنهم تعودوا، صار الموت جزءا من قهوة الصباح و وجبة الغداء، صار قريبا و لم يعد غريبا و لا مفاجئا، كل أسرار الموت تكشفها الحرب فالناجون من الرصاص لا ينجون من الألغام و إن فعلوا فستطالهم قذائف الدبابات و مدفعية العدو، الناجون هنا هم من تأجل موتهم لسبب ما، ربما كانوا قريبين منه جدا و لكنه كان مشغولا بغيرهم فتركهم نصف أحياء ينهشهم الخوف و يتآكلهم الإنتظار، بعضهم يتمنى إصابة خفيفة تعيده إلى المدينة حيث المشفى و الممرضات الحسناوات و آخرون يؤثرون موتا سريعا على إتمام حلقات هذا المسلسل الرديء.

ربما لم ينه سيجارته تلك، نام كطفل ليستفيق صباحا على نفير المعسكر و ليجد بجانبه جريدة محلية على غلافها صورة له كتب عليها بخط جميل “الثعلب القناص يلقي بالألمان إلى الجحيم”.

نفس الجريدة كانت بين يدي جنرال ألماني في نفس الصباح سربها إليه أحد أعوانهم بالداخل، نظر فيها ببلاهة قبل أن يلقي بها على الطاولة ثم أجال بصره في الوجوه التي أمامه، كانوا قادته الميدانيين و كانوا في غاية الرعب فهذا الرجل سريع الغضب مزاجي إلى أبعد حد و يده قريبة من سلاحه مفرط في إستخدامه بسبب أو بدونه.

_” قالوا أن قناصهم أردى أربعة من رجالنا”

_”كاذبون ، لقد قتل إثنين فقط من رجالنا، قناصان مبتدئان، لم يكونا حذرين، سيدي ”

رد أحد الضباط واثقا و عيناه مصوبتان على أصابع الجنرال المجنون.

لم يخيب الجنرال ظنه، إمتدت يده إلى المسدس و ترك مقعده في حركة سريعة و صوب فوهة السلاح إلى صدغ الضابط

_”سيكون لنا حديث آخر إذا لم أقرأ غدا عن موت قناصهم، فهمت”

لم يكن هناك مجال لحوار طويل، أومأ الضابط برأسه موافقا و غادر الخيمة لا يعرف السبيل إلى إتمام المهمة و لكنه لا يملك إلا تنفيذها فالرجل في الخيمة أسوأ من أن يقبل إعتذارا أو أعذارا.

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *