الأحد , 20 أكتوبر 2019
الرئيسية / ثقافة وفن / رواية بين موتين // الجزء الثالث

رواية بين موتين // الجزء الثالث

بين موتين//  الجزء الثالث

“إن من بدأ المأساة ينهيها” ، “إينو” الشاب الذي جلب الجريدة للجنرال هو الوحيد الذي يملك المعلومة و من يملك المعلومة يملك الحل و العقد، لم يكن الوقت في صالح الضابط “تايغر” لذلك و من باب الحزم عند الشدة توجه إلى جنوده يسألهم عن العصفور الذهبي “إينو” فأخبروه أنه قرب حضيرة الدبابات يتناول لمجة دفعها إليه طباخ المعسكر بأمر من الجنرال لقاء المعلومة القيمة.

جلس إليه فوجده منغمسا في الأكل، كان جائعا بشكل يستحيل معه الحديث، نظر إلى الضابط نظرة لا تنم عن أي إحترام و واصل الأكل، ليس مجبرا على تقدير أحد في هذا المعسكر فهو حبيب الجنرال و كنزه الذي يحرص على أن لا يمسه أذى.

لم ينبس الرجلان بحرف واحد حتى أنهى “إينو” طعامه فربت الضابط “تايغر” على كتفه و ناوله سيجارة تلقفها بسعادة، سحب منها سحبة طويلة و نفث دخانها في الفضاء البارد قبل أن ينطق،

_تبحث عن القناص؟

_نعم، كلفت بذلك و لكنني … لكنني …

_لا تعرف كيف تصل إليه؟

إرتبكت تايغر و شبك أصابعه محاولا مواجهة هذا الرجل الذي باغته بأسئلته.

_بإمكاني إيجاده و لكنني أخاف أن يمضي وقت طويل قبل أن أظفر به

وقف إينو بشكل مفاجئ و بدأ يسير مبتعدا

_جده إذا …

تلعثم تايغر و لم يستطع أن يرد، ٱلتحق بهذا الذي يجيد ٱستفزاز محاوريه،

_كم تطلب لقاء أن تدلني على مكانه؟

عندها توقف إينو عن السير و مد كفه لمصافحة تايغر و ٱنقلبت لامبالاته إهتماما واضحا

_سأدلك عليه، نعم بالطبع سأفعل، هذا من واجبي فأنتم الألمان أصدقائي و لكن …

_قل … قل كم تريد؟

_لا أريد مالا

فاجأه مرة أخرى بهذه الإجابة الغريبة، رجل جائع رث الثياب يرفض مالا ربما هو في أمس الحاجة إليه

_لا تتفاجأ، كل ما أريده هو أن تقتل هذا الرجل

و سحب من تحت معطفه جريدة قديمة بالية، كانت الصورة لأحد الجنرالات الروس ، ٱرتسمت الدهشة على محيا تايغر، دهشة أفلتت من عقالها و لم يفلح تايغر في إخفاءها

_الجنرال ساشا بوزوفيتش!

_هو بعينه

_إن قتله أصعب من القبض على القناص الذي أريده، أنت تطلب المستحيل، كيف لي بقتل رجل محاط برجاله، يتحرك كثعلب دون أن نتمكن من رصده

_بل يسير ، يسير كل اليسر

هاجمت الوساوس الضابط “تايغر”، رأى نفسه واقفا ينتظر طلقة رئيسه بعد أن يكون قد فشل في تحقيق ما يريده، هاهو المخبول “إينو” آخر أمل باق له يطلب منه قتل أحد جنرالات الصف الأول السفياتي، رجل لقبه رفاقه و أعداؤه على حد السواء بالثعبان، رجل يزرع الرعب أينما حل.

_قلت لك أن الأمر بسيط، بسيط جدا

قالها واثقا و كأنه يتحدث عن قتل جرو ثم سكت، كان ذكيا بقدر وافر، مناورا و محاورا بارعا، يعرف كيف يجعل خصمه يدخل دوامة الشك حتى ينقذه منها فيبقى ممتنا له، طيعا مطيعا

_ساشا بوزوفيتش هو الجنرال الذي يشرف على العمليات الميدانية و هو رئيس ڨريكوف القناص، يكفي أن تقصف المكان الذي أدلك عليه في الساعة التي أحددها لك لتصيب عصفورين بقذيفة واحدة، عصفور لي و عصفور لك، فهمت؟

_فهمت و لكن لي سؤالان محيران

_تفضل …

_لماذا تريد قتل بوزوفيتش

_لن أجيبك عن هذا السؤال كان حريا بك طرح السؤال الأهم، كيف ستصل قذائفك إلى هناك؟

هذه المرة أسقط في يد “تايغر”، فغر فاه و لم ينطق بحرف، جعلته إجابة “إينو” يفقد رباطة جأشه تماما

_”كيف عرف أنني سأسأله هذا السؤال؟ إنه ساحر، داهية”

مضى في طريقه و تيبست قدما الضابط في الثلج و لم يخرج عن ذهوله إلا حين سمع “إينو” يقول له:

_”سألتقيك على الساعة الثانية قرب المدفع الكبير، سأذهب لأنال قسطا من الراحة في إحدى الخيام”.

شعر تايغر أن مصيره مرتبط بما ستؤول إليه خطة هذا المتشرد، لم يكن واثقا منه و لا مرتاحا له و لكنه وجد فيه من دلائل النباهة قسطا وافرا جعله يطمئن و الغارق يتمسك بأي شيء، حتى ب”إينو” العجيب.

لم يكن “إينو” روسيا كما يعتقد كل من حوله، ملامحه و بياضه الشديد يجعل أي شخص يصدق أنه إبن هذه الأرض خاصة و أنه يتكلم الروسية بطلاقة تخفي لغته الأم، الفنلندية.

هو ليس صديقا لأحد، يكره الألمان كما يكره السوفيات، يكره الجنود و الضباط و هذه المدافع و تلك الدبابات، يكره الحرب و مشتقاتها و يود لو كان في مقدوره قتل كل من يتسبب فيها، تفصيل صغير جعله يصطف إلى جانب لألمان و نفس التفصيل هو ما جعله يعيش عيشة حذرة كل ما فيها خوف و توجس و ترقب، طيلة السنوات الثلاث الماضية درب وجهه و أصابعه و قلبه على التنكر للخوف، كان يستغل موهبة فريدة ٱكتشفها أستاذه في الجامعة عندما دعاه للإنضمام إلى فرقة مسرحية شابة، وجد طالب الفلسفة الغريب في مدينة “برلين” نفسه مشدودا إلى حصص التدريب المسرحي و آثرها على محاضرات الفلسفة لدرجة أنه صار يتنقل مع أفراد الفرقة المسرحية إلى كل مكان يعرضون فيه أعمالهم، كان معجبا بهتلر إعجابا شديدا و كثيرا ما كان يحضر إجتماعاته الشعبية بالساحات العامة و يهتم لكل حركاته و سكناته كان يرى في قصة نجاحه مثالا يحتذى و في حركاته موهبة فذة و في خطاباته ذكاءا وقادا و تمنى أن يناله شيء من حظ هذا العسكري المغمور الذي تحول إلى زعيم ألمانيا و ملهم شبابها، جل أصحابه إنضموا إلى الكتائب النازية و صاروا يتباهون بالأزياء العسكرية الأنيقة و يستبطنون دلالات الصليب المعقوف المرسوم عليها و يقلدون حركات الزعيم في فخر و ٱعتزاز، كان يدرك_ و هو طالب الفلسفة_ أن النازية حركة تطهير صريحة تستهدف كل ماهو أجنبي عن ألمانيا و مع ذلك وجد في عواطفه ما يدعوه إلى الإعجاب بهتلر، ربما كان ذلك هو أثر الدعاية عليه. سأله مدربه ذات يوم

_هل ترى أن هتلر رجل سلام كما يدعي؟

_ربما كان كذلك و لكن العالم ليس جاهزا للسلام، الناس يتقاتلون دائما و أحيانا يكون القتال خاليا من كل دوافع أو أسباب

_صدقت، العالم في حالة حرب و إن أوحى الهدوء بسلام دائم

_الفقر و الحاجة و نتائج الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى عوامل تجعل النفس البشرية متأهبة لسفك الدماء

_لذلك سألتك، أظن أن هتلر سيستغل هذه التفاصيل؟ للأسف لم يقرأ جل الألمان ما كتبه في زنزانته، هذا الرجل عدواني شرس يتحين الفرصة ليبتدئ حربا سيذهب ضحيتها الملايين.

كان ذلك أستاذه الذي سيضطر لمغادرة ألمانيا قريبا عندما يكشر النظام عن أنيابه و يشرع في إبادة اليهود و ترحيلهم، كان ذنبه الوحيد هو ديانته و أصوله و كان يتعين عليه دفع ثمن مكتسب وراثي الغريب أنه لم يلزم نفسه به يوما.

إنه شتاء سنة ١٩٣٩، جاءت الأنباء من فنلندا محملة بالحزن، السفيات على الحدود و فنلندا الضعيفة ضحية للغزو الشيوعي، وجد “إينو” نفسه مضطرا للرحيل، كان الوطن ينادي، لم يكن يستطيع البقاء بعيدا فأبوه و أخته هناك و عليه أن يلتحق بهما ليذود عن الأرض و يحمي عائلته الصغيرة من عدو قرر بلا أدنى سبب إجتياحهم.

كانت الرحلة قاسية فالحرب في أروبا تشحذ سكاكينها و العالم في ترقب و تأهب و فزع، وصل بعد عناء إلى العاصمة و قبل أن يستقل القطار إلى مسقط رأسه قرب بحيرة “لادوغا” طرقت مسامعه أخبار مقلقة عن القصف الهمجي الذي دك المنطقة منذ أيام، لم تكن فنلندا قادرة على صد السفيات و كانت المعنويات مدمرة بسبب الطريقة التي سقطت بها “بولندا” منذ وقت قريب، فنلندا الديمقراطية لن تستطيع إيقاف هذا الوحش الكاسر الذي أحاطها بجناحيه و حكم عليها بالموت، لم يكن القطار يسير بالسرعة المطلوبة، كان بطيئا، بطيئا جدا و الرجل الجالس في إحدى المقطورات يتوسله أن يتعجل الوصول، كان الخوف على عائلته يعتصر قلبه و كان يمني نفسه برؤية أبيه و أخته بعد غياب سنتين طويلتين زادهما طولا هذه الحرب و هذا الرعب.

لم يتمكن من رؤيتهما بل لم يعثر على البيت، كان القصف قد سوى المنزل بالأرض، عرف بعد ذلك أن الجيران تكفلوا بدفنهما مع بقية الضحايا، جلس على الربوة التي تشرف على القرية المدمرة مدمر الأوصال، تعبا، حزينا، حزينا كأن كل حزن العالم إجتمع في قلبه، تحول فجأة إلى رجل بلا عائلة و لم يتمكن حتى من المغادرة معهم، خنقته دموعه و هو يتخيل ما حدث، قذائف كالمطر نزلت ليلا على سكان مطمئنين و وجع كبير تركته في قلوب الناجين.

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *