السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / رأي حر// طُرُوسٌ الدّينيّ والمدنيّ: الإعدام رؤية مغايرة

رأي حر// طُرُوسٌ الدّينيّ والمدنيّ: الإعدام رؤية مغايرة

بمناسبة تعدّد جرائم القتل والاغتصاب وتنوّعها بشكل مذهل ومفجع تعالت الأصوات وتكاثرت المطالبة بتفعيل تنفيذ أحكام الإعدام. لذا يجد الحقوقيّ نفسه في موقع لا يحسد عليه وهو المُعلي خيار ضرورة تجاوز العقوبات القاصية والقاسية وهذا يتطلّب إعادة البناء النّظري لمسألة حسّاسة لدى عموم النّخب والشّعب. والخطر أنّ الجلّ يعتبر “الإعدام”/”القصاص” هو موقف الدّين وعدم إنفاذه تعدّ عليه في دولة “الإسلام دينها”. موقف لا نراه إذ هو موقف مسلمين لا الإسلام ومن حقّ مسلمين آخرين رؤية المسألة من زوايا أخرى نراها أكثر انفتاحا وتساوقا مع المنظومة الإنسانيّة.

الإنسانية اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى قلقة لغياب المعنى، مغتربة عن ذات هي في الدّين مكرّمة وبالتّشاريع الإنسانيّة محميّة. وفي غياب المعنى توغّل الإنسان في عالم الأشياء فتغوّلت عليه، وها أنّ ما صنعه يكاد يفنيه وبه ارتدّ إلى حال من التّوحّش ما عرفها الحيوان ذاته، إذ أخرج الجان من القمقم وبدل أن يطلب من ” سمسم ” فتح أبواب الخير خيّر التّنكيل بالآخر واستغلاله كاشفا عن أبلسة فيه يحسده الشّيطان عنها! متناسيا أنّ الآخر بعض “الأنا” الجامعة و أنّ في كلّ مسّ منه إضرارا بالماسّ عينه إذ الإنسانيّة كلّ لا ينفصل.شرعيّا محمول على المؤمن واجب احترام الآخر ذي النّفس، أيّ آخر وكلّه وإن كان حيوانا أعجم باعتباره مماثلا وإن كان له مسخّرا ” وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم”. ومن هنا نفهم وصايا الرّسول محمّدا ومن تبع هداه للمحاربين بألاّ يحرقوا شجرا، أو يعقروا دابّة، بل ولا يهدّوا بنيانا فما بالكم بحرق الإنسان وعقره وهدّه، وبالأخصّ الضّعيف منه والمُسالم. إنّ الإنسان سليم المدارك مناهض بالطّبع للعنف بقطع النّظر عن المصدر والمبرّر والمظهر. ولأنّ الإعدام عنف، فمن المفترض أن نكون مبدئيّا ضدّه بحكم إنسانيتنا تلك وإن اتّصف بالشّرعيّة بحكم الدّولنة لاتّخاذه شكل القانون الصّادر عن المجالس النّيابيّة، والحكم النّافذ عن الهيئات القضائيّة، والمنفّذ باسم الشّعب من قبل الحكومة.

الحقيقة، من الصّعب على الفرد التّقبّل نفسيّا لفكرة عدم إنزال العقوبة الأقصى(الإعدام) بمرتكب الجريمة الأقسى (القتل العمد، والاغتصاب…) بدليل إقرار المشرّع الوضعيّ إجراء احتياطيّا في حق القاتل غير المتعمّد تأمينا لحياته من ردّ فعل “أصحاب الدّم”، ما يدلّل على أنّ القصاص القصويّ من جبلّتنا الحيوانيّة، بحكم استمداد العنف فعلا (القتل) وردّ فعل (الإعدام) من “العنصر التُّرابيّ” المركوز فينا.فعدم الصّفح شعور بشريّ حتى لدى المعتقد في “اللاّعنف”، فها أنّ أحد ابني آدم (هابيل) الرّافض مقاتلة أخيه (قابيل) قائلا “لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” يعبّر عن رغبة في القصاص “إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ”. يرجع مثل ذاك الشّعور لقساوة الجُرم المُنْزِل الفرد من عُلُوّ التّكريم المبرّر اسجاد الملائكة له، إلى دَرَكٍ من التّوحُّش يعجز الحيوان ذاته عن الانحدار إليه”قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”. توحّش يمسخ الذّاتية الفرديّة حدّ إدانتها باقتراف جريمة ضدّ الإنسانية “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”. جريمة تخرج الفرد من دائرة الإيمان إذ “لا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا”، ولذا قيل بعدم قبول توبة القاتل، إذ من أهم شروط التّوبة إيفاء الحقوق إلى أصحابها واسترضائهم، فكيف السّبيل ومحال استرضاء المقتول بردّ حياته! فالنُّزوع إلى القصاص راجع لشناعة فعل القتل، إذ وإن كانت بقيّة الجرائم اعتداءات جزئية على الأموال والأعراض وما شاكل، فإنّ القتل إبادة للمُعتدَى عليه، وحرمان لأحبّته خاصّة، والإنسانية عامّة منه، إذ المُفْرَدُ والجَمْعُ في ميزان الحقّ وَاحِدٌ، فالإنسانية واحدةٌ وإن تعدّدت لا تتجزّأ.ولأجل ذلك عُدّ حفظ الحياة الإنسانيّة مقصد أساسيّ من مقاصد الدّين. ولحماية الأنفس من عبث المجرمين شُرّع القصاص إخمادا لنار البغضاء التي تستعرّ في صدور أولياء القتيل،ومن هنا سمّي القصاص حياة “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، لما فيه من وضع حدِّ لجدليّة القتل والثأر النّازفة.وعلى الرّغم من أن القصاص حقّ لوليّ الدّم، فقد منحه الشّارع حقّ “العفو” أيضا مرغّبا في استيفائه، إذ الأصل أن يكون المؤمن عَفُوّا، ويعدّ ذلك من “الإحسان” الذي هو الأعلى مرتبة من “الإيمان”. حقّ إحسانيّ كفضيلة إذ”فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ”، لما في العفو من إحياء لنفس عسى أن تؤوب إلى خالقها فتنفع خلقه بصالح الأعمال.الإحسان فيضُ نفخةِ الرّوحِ الرّباني يتجاوز به الفرد ارتكاسيّة الحمإ المسنون فيه متخطّيا بذلك بشريته تحقيقا لإنسانيته. ومن ثمّة فالعفو الإحساني تخطّ للعدل ابتغاء الإنصاف “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ”. أجر يُغفر له به ذنبه “وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ” وهل من مُبتغى للإنسان المؤمن- لو أحسن الحساب – أفضل من الغفران تحصيلا للجنان؟. ولأنّ درجة الإحسان لا يُتوصّل إليها إلاّ بالكدح الموصل بالله باعتباره الكمال المُرتجى “إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” فإنّها تتطلّب ارتقاء بالذّات يسمو في آن على صغائرها ودناءاتها “وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ”. فالصّبر على الأذى، وغفران الاعتداء هو العفو المستأصِّل شأفة الخصومة ومؤلّف القلوب المتنافرة الواضع حداً لما تتركه الخصومات من أحقاد وضغائن في النّفوس.وللدّلالة على رغبة الشّارع الملحّة في عدم القصاص، وإلى جانب ترغيبه في العفو بما هو إسقاط لحق التتبّع والتّنفيذ بدون مقابل، تشريعه للصُّلح الذي هو إسقاط بمقابل (الدّيّة).

في مثل هكذا سياق مفاهيميّ، نستشفّ كون القتل مرفوضا، وقد يعترض قائل أنّ ثمّة فرق بين القتل غيلة وحِرابة، والقتل قصاصا أي إعداما كحكم على جُرم القتل، وبالتّالي وجب اعتبار الفارق في القياس. وهذا صحيح ولكن يبقى القتلان عنفا، وإن كان الأوّل غير شرعيّ ولا مشروع، والثّاني شرعيّ ونحن هنا نناقش مدى مشروعيّته. إنّ مبدئيّة هابيل المبكّرة في استمساكه بعدم الاعتداء ولو كانت الكُلفة حياته كما ألمحنا آنفا، ما ارتقت إلى ما توصّلت إليه البشريّة بعد تجارب كان الوحي أعظم مُسهم في تذكيرها بإنسانيتها القائمة أيضا وأساسا على مبدا الصّفح الجميل المكرّس في “اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ”. ومع ذلك سيبقي أبناء آدم ومن غابر الأزمان وفي أيّ آن، معذورين كما هابيل غير المُظهر لأخيه الظّالم صفحا ولا عفوا عن هذه الجريمة، لأنّ العفو إنّما يُتصوّر فيما هو دون الحياة، أمّا حياة المرء نفسها فالعفو عنها غير مُتصوَّر في مثل هكذا سياق لأنّها حرمان من غال بل الأغلى غير المعوّض.إنّ العفو عند المقدرة فضيلة الأخلاقيّة، تكشف عن سموّ النّفس، وضبط لها، لما فيها من غلبة الهوى وهياجها. والآية إذ تأمر بأخذ العفو “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”، تُصوّره كأنّه”شيء” يحتاج إلى أخذ، كالحقّ الذي يُؤخذ ولا يُعطى، وذلك لصعوبة العفو بحيث يحتاج الإنسان لشديد تمرّس عليه للظّفر به.فالإنسان الذي تعتريه حالات ضعف تُخرجه عن طوره وتؤدّي به إلى ارتكاب المحظور، كثيرا ما يعود إلى رشده، ومن الأفضل الطّرق على باب العفو لتُفتح له سُبُل الخير. فالعفو يوجد المحبّة، لإحساس المُعْفَى عنه بعظيم المِنّة عليه. ومن هذا المنطلق نرى أن القرآن في ذات الوقت الذي يعطي الحقّ في القصاص ويشدّد عليه، يرغّب في المسامحة، وذلك لأنّ الإسلام يوثّق ارتباط الحقّ بالفضيلة، بل ويغلّب الثاّنية على الأوّل “وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ”.

ولأنّ القتل سوء، والنّفس في ردود أفعالها “َمَّارَةٌ بِالسُّوءِ”، تردّ على العنف بعنف، فلا مناص من العمل على إيقاظ عمل “النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” في الذّات من أجل تحقيق سلام فيها عبر الارتقاء إلى حالة “النَّفْس الْمُطْمَئِنَّةَ” التي ترى ودونما مواربة أنّ القصاص عدل لا يُلام طالبه، والعفو إنصاف زائد عن العدل يُتجاوز بفائض أخلاقيّ يرتقي بالفرد من وضاعة “حَمَإٍ مَسْنُونٍ” إلى أفق “نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي”. إنّ مثل ذاك الارتقاء هو غاية الدّين المكرّس عبر آلية سقوط القصاص بالعفو إذ عُدّ الإسقاط حق بيد وليّ الدّم، ما يعني وجوب اشتغال كلّ راغب في النّضال ضدّ عقوبة الإعدام على مسألة إنارة الرّأي العام للارتقاء بوعيه الدّينيّ والمدنيّ من أجل إسقاط حقّه الأدنى في ملاحقة غيره تعبيرا منه عن قناعاته الذّاتيّة الإنسانيّة استمساكا بحقّه الأعلى في العفو، بقطع النّظر عن التّشريعات الملزمة لأنّ من شأن إغراء بعض من النّخبة للهيئات الحاكمة تحقيق سبق يُسجّل لها بإلغاء عقوبة الإعدام دفع أكثريّة لفضّ يدها من تعاقد مضمر بين الشّعب والدّولة تنازل فيه الأوّل للثّانية عن حقّ أصيل وسابق في القصاص الذّاتي، ما يعني أنّ من شأن تسريع تخريج قانون في المسألة فتح الباب على ردود فعل ثأرية “مشروعة ” خارج “الشّرعية. هنا يكمن دور النّخب الحداثيّة في استرجاع الدّين بعد أن أفتُكّ من متكلّمين باسمه. استرجاع يمكّن من إقامة دولة مدنية يعيش فيها الإنسان إيمانه في الهنا والآن دون وخز ضمير دينيّ مردّه سلفيّة ما تنغّص حياته.

فوزي الشّعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *