السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / رأي حر// تونس 2019: اللاسياسة في سنة السياسة

رأي حر// تونس 2019: اللاسياسة في سنة السياسة

سنوات مرت على الثورة التونسية عرفت خلالها الخارطة السياسية في البلاد العديد من التقلبات سواءا على الساحة السياسية أو المشهد البرلماني، بين أحزاب خاسرة و تشكيل أحزاب سياسية جديدة وأخرى بصدد التموقع.

حيث وفي قراءة سريعة لنتائج الانتخابات التشريعية 2011 و2014 وبلغة الأرقام سنجد أن حركة النهضة من بين الأحزاب الخاسرة بتراجع يقدر بعشرين مقعد برلماني. اذ أن كل من يراجع الخطاب الرسمي للحركة في الحملة الانتخابية ل 2011 يقر بانها أثرت على مخيلة الجماهير وطرحت فكرة ان الهوية الإسلامية للبلاد التونسية في خطر ويعتبر هذا من أحد السياسات المستعملة لتوجيه الناخبين باعتبارها فرضت نفسها كراعي الأيديلوجية الإسلامية. وكما يبدو فقد عاش المواطن التونسي صراعا هووي لسنين طوال ولهذا دفعته العاطفة لدعم النهضة في 2011 ولكن هذا التأثير السيكولوجي سرعان ما فقد سحره في 2014 مع ظهور عبارات من قبيل “الإسلام الديمقراطي” حيث خسرت النهضة قرابة ال 400 ألف صوت وهذا يرجع نتيجة الفشل الاقتصادي والأمني وفى إطلاق وعود بتحقيق أهداف ثورة 14 جانفي لم تعرف سبيلها الى الانجاز.

وبالرغم من هذا تضل حركة النهضة أفضل حال مقارنة بشريكها في الترويكا فبعدما دخل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية غمار المجلس التأسيسي الذى أنيط به اصدار الدستور الجديد بتسعة وعشرين مقعدا و في 2014 لم يحصد إلا أربعة مقاعد. اما عن الطرف الثالث في الترويكا حزب التكتل فقد خرج من الانتخابات التشريعية الثانية في البلاد بمقعد يتيم وبذلك يكون قد خسر 19 مقعدا مقارنة بنتيجة انتخابات2011.

وسنبقى في نفس إطار انتخابات 2014 ولكن مع شريك اخر للنهضة لا يقل حاله عن حال من سبقه وهو حزب حركة نداء تونس الذي بدوره تمت معاقبته خاصة في الانتخابات البلدية والسبب الرئيسي كان وراء تحالفهم مع من اعتبروهم ذات يوم العدو الأول لهم وللديمقراطية التونسية هذا بالإضافة الي التصدع الداخلي للحزب والشقوق المتعددة. هذه النتائج بين عثرات بعض الأحزاب و السقوط المدوي للبعض الاخر وإن دلّت على شيء فإنها تدل على واقع وحيد هو أن أي تحالف مع حركة النهضة هو عبارة عن موت بطيء لأي حزب و خاصة داخليا.

اليوم تفصلنا بضع أشهر على الانتخابية التشريعيّة والرئاسية مما جعل من سنة 2019 سنة مفصلية على المستوى السياسي. أما عن السيناريوهات المحتملة للمشهد السياسي في الانتخابات القادمة ستكون الأقرب بدون مفاجئات تذكر، فالنهضة على يقين بأن ال 30٪ من نسبة الأصوات تعتبر مضمونة وبهذا ستتصدر المشهد للسنوات الخمس القادمة وستروج لحزب الشاهد ليكون أكبر ضمان لها لتحكم بأريحية مطلوبة، كما سيلقى حزب رئيس الحكومة الحالي الدعم من طرف رجال الأعمال وهذه الرسالة كانت واضحة في اجتماع حزبه بولاية صفاقس حيث تقريبا حضره مايقارب 100 من أصحاب المال و الأعمال النافذين بالمنطقة.

وفي مواصلة لسرد ما يفرز عنه المشهد السياسي الحالي فإن النداء سيواصل نزيف الأصوات ولكن سيكون متواجد في البرلمان بفضل ماكينة التجمع كما أن القيادات تبدو أكثر ميلا لتأمين نفسها ومصالحها تحت جناحيْ حمامة النهضة، بدل الارتقاء إلى مستوى التنافس السياسي معها.

وبدورها كذلك الجبهة الشعبية ستشهد تراجع على مستوى التمثيلية البرلمانية ولكن سيبقى جمهورها وفيا لصراعها الازلي. الجبهة ستكون غير واقعية إذا أخذت 2014 كمقياس للاستحقاقات القادمة لأنها لاقت ان ذاك الحاضنة الشعبية والدعم الجماهيري خاصة بعد اغتيال الشهيدين البراهمي و شكري بلعيد.

أما عن مفاجئة الانتخابات القادمة وبدون منازع فهو حزب التيار الديمقراطي الذي سيكون الحزب الوحيد الذي سيشهد تقدم على مستوى التمثيلية الحزبية في مجلس النواب ومرجح بأن يكون قوّة سياسية فاعلة تحتل مراتب متقدّمة في المشهد السياسي والبرلماني. فالتيار كان ناجعا من خلال نوابه حيث انهم قدموا العديد من المبادرات التشريعية و قاموا بكشف عدد هام من ملفات الفساد. في بعض الأحيان المبدئية في الخطاب الرسمي للحزب قد أضرت بشعبيته لكنه لطالما يعول على ان يغلب صوت الوعي داخل مجتمع لم يعتد سياسة مبادئ في خطاب جل الساسة.

كل هذه السيناريوهات و النتائج تسبقها حملة انتخابية سيكون المال الوافر عنوانا لها ولكن وفي قراءة للواقع السياسي و لنتائج الانتخابات البلدية فإن النهضة ستسعى لدعم القوائم المستقلة لسببين نظرا لماشهدته من دعم من طرف التونسيين وهذا يرجع لانعدام ثقتهم في الأحزاب السياسية، و لكن الهدف الرئيسي وراء هذه القوائم هو تشتيت الأصوات فقط خاصة مع عتبة 5٪ وهذا ماتخطط له النهضة باعتبار أن تصدرها للمشهد السياسي مرتبط بتفعيل مفهوم السمع والطاعة لدى منخرطيها و إضعاف منافسيها و على رأسهم التيار الديمقراطي.
لم يقتصر الخبث السياسي على هذا فقط حيث ومن بين النقاط السلبية لانتخابات 2019 نسبة العزوف الكبيرة خاصة مع ضعف تردد الناخبين على التسجيل مع مواصلة تجنب طرح حلول واقعية، ويعتبر أكبر المستفيدين من هذا الاحزاب التي سبق وشاركت في الحكم والتي تكاد تكون مسؤولة على تعفن المشهد السياسي الحالي في تونس.
في الأخير يمكننا الجزم حاليا أن تونس لن تخرج من مخاضاتها المتـلاحقة، خصـوصا في ظـل شبه قطيعة بين عامة الشعب والنخب السياسية ولذلك سيلتجأ اغلب الأحزاب إلى التعويل على الشباب محاولة منهم لبعث روح جديدة و تقديم وجوه سياسية مستقبلية وهو يعتبر كآخر الحلول لتضميد جراح هذه القطيعة.

 

حمدي عبد الهادي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *