الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / رأي حر/ الحرية أم السيادة أولا ؟

رأي حر/ الحرية أم السيادة أولا ؟

دائما ما يُفتح ذاك النقاش الذي ينتهي بسؤال “سيادة ام حرّية ” او “السيادة اولا ام الحريّة اولا” و عادة ما يكون ذلك اثر جدال مُقارن بين انظمة ما قبل 2011 و الانظمة التي تلتها او حول نماذج اقطاب كبرى في العالم احدها يسلب حرية شعبه ولكن يبني اقتصادا قويا ويحقق امنه الغذائي وسيادته الوطنية وثانيها دول مُنهكة انتهت آجال الدكتاتور الاخير فيها ولكنها وجدت نفسها تعيش حريّة خانعة وخاضعة للدوائر المحيطة بها.
تساؤل ” الحريّة ام السيادة ” لا يخلو من ان يكون تسؤلا مُفخخا، و يكفي ان نختار احدى الاحتمالات على الاخرى ليجهز عليك مُجادلك بالضربة القاضية.
إن الحرية ليست شيئاً كمالياً في حياة الانسان يمكن الاستغناء عنه، اننا لا نتحدث عن نوع من انواع البيتزا او “ماركة” عالمية للملابس او العطور حينما نشير الى الحرية، بل الى الروح التي تتحرّك داخل الحياة وجوهرها ومعناها. الحرية التي لا تقبل القسمة او التجزئة، فمن غير المنطقي ( اذا عالجنا هذا التساؤل في سياقه ) أن نثور على استعمار الأجنبي ونقدم من اجل حريتنا الشهداء ثم نسكت عن الاستبداد الداخلي، الدافع ذاته الذي كان يحركنا ضد الاستعمار هو نفسه الذي يمنعنا الآن وفي كل وقت مضى من ان نسكت عن الاستبداد الداخلي. وانا مقتنع شديد الاقتناع بأن الاستعمار هو خطر ماثل دوماً، ممكن الوقوع أبداً، فإذا عوّد استبدادنا الداخلي الشعب على الاستهانة بالحرية والرضا بالخنوع، مالذي قد يمنع الاستعمار الخارجي من الدخول مرّة ثانية ما دام شعبنا قد رضع الخنوع مع الحليب الحاكمين ؟ أما الذين لايستطيعون أن يحكموا الشعب إلا إذا استعبدوه، فهذا الشعب الذي غلب الاستعمار سيريهم يوما ما كيف يتمكن من التخلص من حكمهم والتحرر من عبوديتهم.
إن الفئة المتحكمة اليوم بمصير البلاد مسوقة حتماً إلى استغلال الحكم بكل الوسائل، حيث انها لا تضع لنفسها حدودا اخلاقيّة وفق ما عاهدوا الشعب عليه، لأنها مضطرة إلى إرضاء الأسر الكبيرة و التي جاءت هذه الفئة إلى الحكم لتمثل مصالحها، والى إرضاء الأنصار الذين تعتمد عليهم، ( لا اذكر من قال بكونك تستطيع ان تحشد اتباعا بحجم طمعهم والخدمات التي تقدمها لهم ) وتيسير مصالح كبار التجار الذين يسندونها في الظروف الحرجة. ولكن هذا الاستغلال لثروة البلاد وهياكل الدولة ليس هو اكبر اخطار هذه الفئة، لأن البلاد قد تحملت من استغلال المستعمر وسرقاته ما هو امرّ وادهى، واستطاعت بالرغم من ذلك أن تحفظ بقوى شعبها النضالية لتظفر في الاخير باستقلالها، ولكن الخطر الحقيقي هو في أن الفئة الحاكمة، لكي تصل إلى ما تريد من استغلال لثروة البلاد ووظائف الدولة، لا تستطيع أن تلجأ، عكس ما كان يفعل المستعمر الخارجي، إلى قوة الجيش، ولا بد لها –بالتالي- أن تحتال على دستور الدولة وقوانينها، وتتلاعب بعقول من يتابعون اسطولها الاعلامي و بالقضاء، لكي تحول دون مراقبة الشعب لها، واعتراضه على اعمالها، ومن هنا يأتي عداؤها للحرية وتآمرها عليها.
هكذا تبيح الفئة الحاكمة لنفسها أن تضحي بأهم مقومات حياة الناس وأقدس قيمها، وهي الحرية، والتي اُؤكد انها ليست داخل “المينيو” اين يمكن ان نختارها او نتركها لنختار غيرها، في سبيل ضمان الاستغلال المادي، فالحرية لا تعني غير تربية الشعب تربية حرّة سليمة، حيث يعلم الآباء ابنائهم ان بحاجة الى ان يكونوا احرارا، اما الشعب الذي يحال بينه وبين الاطلاع على حقيقة ما يحصل ويرى الخطأ ولا يشير له او يعزم على اصلاحه، ويلمس الفساد الصارخ فلا يسمح له بأن يرفع صوته في وجهه، ويشاهد إرادته أمامه كما يشاهد الكُرة المركولة من ساق الى اخرى في الملع، سيُطّبع معها بالضغط والحيلة والرشوة و يخنع بالقبول بهذا التشويه، والنظر إلى مشوهي إرادته، وخائني أمانته، على أنهم ممثلوه الشرعيون الوحيدون و الحقيقيون.
شعبٌ كهذا لا يمكن ان يقود الحكام نحو الاستقلال والحكم الذاتي و التمرّس على قول ال”لا” لما فيه مصلحة دون مصلحته، بل ان الحال سيبلغ قتل تلك الفضائل فيه و التي كسب بها استقلاله واطفاء الشعلة من قلبه والتي وعى على ضوئها ذاته والتي دأبت في كونها نبراسا له ومحرارا لمسيرته نحو الارض المختلفة، وسيعرضون حرية وطنه للضياع، لأنهم أفسدوا عليه معنى الحرية.
وبعد، لسنا في حرصنا على الحرية ودفاعنا عنها تعلق بشيء نظري هلامي لا علاقة له بالواقع، ولا دفاعا عن تصوّر دغمائيّ دخل ادراج المكتبات القديمة ولم يغادرها، ولا خنوعا لتصوّر الحريات على مقاس الدوائر البعيدة عنا لنحضى برضاها، بل اننا نتحدث عن الحرية التي تمكن الشعب من ان يعرف أين يذهب خبزه اليومي، وكيف تبذّر ثروته وثمار عمله وإنتاجه، ولماذا يتلاعب الحكام بالدولة ويفسدون الضمائر ويعبثون بمصير الناس فيها، لكي يضمنوا نجاحهم في الانتخابات، ويبقوا البلاد في قبضتهم مانعينها من كل تقدم، فارضين عليها الاستمرار في التدهور والانحطاط والإفلاس. بل ازيد على ذلك كون تلك “الحرية” و التي ندافع عنها بكلّيتها ودونما نقصان هي التي ستتيح للشعب أن يعرف المدى الذي بلغه في تحقيق استقلاله وتوطيده، والنواقص التي تشوب هذا الاستقلال والأخطار الأجنبية التي تهدده فيدرك السبب في هذا التقصير الملموس. ويعرف السر في هيمنة النفوذ الأجنبي على سياستنا الداخلية، وانحصارنا في نطاق هذا النفوذ وتقيدنا به. ويطلع أخيرا على تغلغل الشركات الأجنبية في بلادنا، وعلى نفوذ العائلات الحاكمة، وابتلاعها لنقدنا وثرواتنا واستبدادها بعمالنا، وتآمرها علينا بشكل يجعل من استقلالنا هيكلاً عظمياً لا لحم فيه ولا امل.
فالدفاع عن الحرية إذن هو دفاع عن بقائنا، لذلك فمعركة الحرية ستكون دائما معركة حياة أو موت، ولن تخدعنا تلك الحجج الواهية التي تتذرع بها بعض الاصوات لتقول أن للحرية أضرارا ومحاذير. فنفع الحرية يربو على ضررها، وان اطمئناننا على سلامة أرضنا ومستقبل أجيالنا لأعز علينا وأغلى عندنا من الحرص على هيبة الحكم وراحة الحاكمين.
… ليست الحرية مواد في الدستور، ونصوصاً في القوانين، وليست هي مجرد موضوع للخطابة والكتابة، ولكنها عقيدة قبل كل شيء، إنها لا تدخل حياتنا مالم نرخص الحياة في سبيلها، ولن نفرض على الحاكمين احترامها و السير بإتجاهها، ونشعر الشعب بقيمتها وقدسيتها، إذا لم يكن إيماننا بها جهاداً، وهي مُرادا.

قصي بن فرج

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *