السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / رأي حر // أكاد أشك في نفسي

رأي حر // أكاد أشك في نفسي

 

عاش في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان أخوان و كانا يملكان إبلا كثيرة و مرعى خصيبا و حدث أن آنحبس الغيث فجفت الأرض و تشققت و ذبل العشب حتى إختفى أو كاد، و لم يكن في تلك الربوع إلا سهل واحد لم يمسه الجدب لأنه مجاور لنهر هرهار تحرسه أفعى لم ير الناس أعظم منها جثة و لا أفتك منها سما. كان الأخ الأكبر عنيدا لا يباريه أحد في التمسك بالرأي و إن كان رأيا فاسدا لا خير فيه، أخطر أخاه بما عزم عليه و لم يفلح المسكين في إقناعه بالعدول عن قراره، لقد آعتزم نزول الوادي و الرعي فيه و ما أسرع يد الموت إليه فقد باغتته الأفعى و أردته قتيلا، عزم الأخ الأصغر على الإنتقام فشحذ سيفه و قصد الأفعى فآقتتلا كأشد ما يكون القتال حتى رأت الأفعى الموت قريبا منها فآثرت السلامة و وعدته بدرهم ذهبي يتقاضاه كل يوم لقاء التنازل عن رغبته في الإنتقام، تكدست دراهم الراعي و مرت الأيام و الإتفاق قائم و الثروة إلى إزدياد حتى عاوده حنين مباغت جارف إلى الثأر فما كان منه إلا محاولة قتل الأفعى لكن فأسه أخطأت الهدف فولى هاربا تاركا أثرا غائرا في صخرة عند باب غار الأفعى. لم تمر إلا أيام قليلة فداهمته شتى الظنون و آثر أن يذهب إلى الأفعى متوسلا طالبا الغفران واعدا إياها بحسن المعاملة فضحكت منه قائلة “كيف أعاودك و هذا أثر فأسك؟”.

فهمت الأفعى أنه لا يلدغ من الجحر مرتين إلا الأحمق و أن صحبة من لا أمان له لا تعدو أن تكون إلا ضربا من الجنون.

جاءت المنظومة التي أنجبت الشاهد تطلب ثأرا من أولئك الذي أسقطوا حكم أبيهم بالقاضية و قد ظن البعض أنهم ودعوا بن علي و قد خاب الظن فالذي ذهب كان القرصان و لكن صبيانه موجودون و فاعلون.

يوسف الذي كان نكرة جاء بها السبسي تحول مع مرور الأيام إلى مارد بعد أن إستمالته بعض الأطراف السياسية ظنا منها أنها ستحوله إلى عنصر توازن في معادلة الرعب متناسية أنه لا يستقيم العود الأعوج و لا يرجى ممن كانت العمالة دأبه أن يبني وطنا، و لكنهم ظنوا و ما كانت الأوطان تبنى بالظن.

ظل التعيس يمارس سمسرته و كانت بضاعته تسيل لعاب أسياده، كانت البضاعة دينارا تونسيا منكوبا و مؤسسات وطنية على أبواب الإفلاس و شبابا ألقى بنفسه في البحر يوم أيقن أن المستقبل بلا إشارات مرور كطريق إلى المجهول.

أخفى فأسه القديمة حتى حان الإنتقام فشهرها في وجوهنا و ليته حين فعل وجد ردا كذاك الذي صاغته الأفعى. لقد وجد أولئك الذن إجتمعوا حوله متعطشين إلى أمس تجمعي لا حريات فيه و لا قانون، أبناء شريعة الغاب جاؤوا مدججين بنقمة غريبة على كل ما أنتجته الثورة و أسسه الثوار آيتهم في ذلك أن ساوموا مروان المبروك على ثروة جمعها أيام كان التونسي مداسا لكل عابر فغنموا منه تمويلا مرضيا لحزب سرطاني أسوة بعرابهم القديم الذي كان بالأمس قد أخلى سبيل برهان بسيس راسبوتين العصر .

لم يخذلوا رؤياي بل تلك القطعان هي التي فعلت، لم يجانبوا توقعاتي فهم في النهاية أحفاد بن علي ولكن تلك الزرافات من البشر التي حضرت مأدبة الهمجيين و المرتزقة هي التي أقلقتني.

أقلقني وجه الشهيد يرقبكم، يتساءل عن ثمن الدم الذي سال في الطريق و كان يحسبها طريقا رسمها لكم، طريقا إلى الإنعتاق ،فألفاكم تصلحون الأوثان التي تهاوت و تتعبدون إلى أصنام حطمتكم و حكمت على أبناءكم بالجهل و الفقر و التهميش.

عزيزي الذي قصدتهم تبتغي كسبا و نفعا يؤسفني أن أعلمك أنك في الطريق إليهم أهدرت وطنك و وجهك و شرفك و تركتني أعيد تلوين السواد وحدي.

 

محمد علي الشامخي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *