الأحد , 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / دور البلديات التونسية في تحقيق التنمية المستدامة

دور البلديات التونسية في تحقيق التنمية المستدامة

أسفرت التجارب الديمقراطية المقارنة حول اللامركزية و السلطة المحلية ، بأنها نظام للحكم الجيد تعيد الثقة في السياسات الحكومية و تجعل من المواطن العادي في قلب اهتماماتها بإعتبارها شكلا من أشكال التدبير المشترك للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية و زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي رسم السياسات العامة من أجل تحقيق التنمية المحلية المستدامة.

وفي هذا النقاش طرح بعض الأصدقاء الإشكالية التالية:
ما هو دور السلطة المحلية “مستقبلا ” في تحقيق التنمية المستدامة ؟

1- تعريف السلطة المحلية في تونس

يمكن تعريف الحكم المحلي بأنه الديمقراطية التي تمارس على مستوى محلي ومن هيكل محلي لتسيير الشأن العام . فالديمقراطية المحلية تعني في المقام الأول أن يُعهد للجماعات المحلية بتصريف شؤونها بإستقلاليّة في إطار دولة موحدة. وقد تكرّس هذا الأمر بموجب الدستور التونسي بما فرض مراجعة المنظومة القانونية في جزئها المتعلق بالجماعات المحلية على المستويين الإداري والمالي .
لقد وضع الدستور الصادر في 27 جانفي 2014 أسس السلطة المحلية من خلال تأصيل اللامركزية وتكريسها بالتنصيص عليها في باب المبادئ العامة (الفصل 14) وتخصيص الباب السابع للسلطة المحلية الذي يتضمن 12 فصلا تعلقت بسبل تأهيل الجماعات المحلية ( بلديات ، جهات ، أقاليم ) على مستوى الاختصاصات والموارد بشكل يمكن من تحقيق الديمقراطية والتنمية المحلية وتقليص الفجوة بين جهات البلاد ، وهو ما يقطع مع خيار دستور 1 جوان 1959 حيث كان الباب المتعلق بالجماعات المحلية متضمنا فصلا وحيدا (الفصل 71) مع عدم تنصيصه صراحة على مفهومي اللامركزية والديمقراطية المحلية وهو ما ساهم في تركيز هياكل لامركزية (بلديات ومجالس جهوية) ضعيفة على مستوى الصلاحيات والموارد وتابعة للسلطة المركزية من خلال إخضاعها لرقابة إشراف موسعة وفق قانون 1975 المتعلق بالبلديات و قانون 1989 المتعلق بالمجالس الجهوية.
ولكنّ الإقرار بهيئات الحكم المحلّي على صورتها الجديدة وفق اللامركزية ، يمكن أن يظلّ حبرا على ورق ما لم يُعهد لهذه الهيئات بصلاحيات تصرّف حقيقية لتجسّم سلطتها. وفق ما أقرّه الفصل 134 من الدستور “تتمتع الجماعات المحلية بصلاحيّات ذاتية وصلاحيّات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها” و”توزّع الصّلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع“ .
صلاحيات و مبادئ و مفاهيم حديثة تؤسس لتوجه مبني على سياسات القرب في ظل حكم منتظر يعتمد المقاربة التشاركية ومبادئ الحوكمة و الشفافية .

2- مهام البلدية قبل إنتخابات ماي 2018

تختص البلدية و مجلسها المسير المنتخب كما جاء في القانون الأساسي للبلديات عدد 33 لسنة 1975 مؤرخ في 14 ماي 1975 بتنقيحاته المختلفة بالتصرف في الشؤون البلدية، ويساهم في نطاق المخطط الوطني للتنمية في النهوض بالمنطقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ويدرس ميزانية البلدية ويوافق عليها، ويضبط في حدود المداخيل البلدية والإمكانيات الموضوعة تحت تصرفها برنامج تجهيز البلدية، ويضبط مختلف الأعمال التي يتعين القيام بها للمساعدة على تنمية المنطقة .

و لكن تبقى وظيفة البلدية في نظر المواطن التونسي ، بخلاف توجهه لإصدار الوثائق الرسمية ، تتلخص في تعهد وإصلاح وبناء الطرقات وأرصفتها والمنتزهات والنباتات والحدائق والبساتين وتوابعها ومرافقها مع رفع الفضلات المنزلية وفرزها ومعالجتها وإزالتها وردمها في مصبات مراقبة و أشغال التطهير على اختلاف أنواعها..
بالإضافة لتنوير الطرقات والساحات العمومية ومؤسسات البلدية و رسم أسماء الأنهج والساحات وأرقام المنازل ومختلف المحلات و كل ما يتعلق بتنفيذ مثال التهيئة والتصفيفات والبناءات الخاصة والمباني المتداعية للسقوط.

إجمالا كانت المجالس البلدية صوريّة لا تعبّر عن اختيارات وحاجات المواطنين و بصلاحيات مفرغة و دون سلطات حقيقيّة بل أن مسؤولياتها وظيفية محدودة أمام سياسة مركزية و خيارات سلطة تجمع كل الصلاحيات و تحتكر صناعة القرارات السياسيّة والخيارات الاقتصادية والمخطّطات التنمويّة للبلاد كافة.

3- مفهوم التنمية المستدامة

ظهر مصطلح “التنمية المستدامة” لأول مرة في منشور أصدره الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة سنة 1980، لكن تداوله على نطاق واسع لم يحصل إلا بعد أن أُعِيد استخدامه في تقرير “مستقبلنا المشترك” المعروف باسم “تقرير برونتلاند”، والذي صدر 1987 عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، تحت إشراف رئيسة وزراء النرويج آنذاك غرو هارلم برونتلاند.
وقد عرّف التقرير التنمية المستدامة بأنها “التنمية التي تستجيب لحاجيات الحاضر دون أن تُعرِّض للخطر قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها”.

ويركز هذا التعريف ضمنيا على فكرتين محوريتين هما: فكرة الحاجيات، وخصوصا الحاجيات الأساسية للفئات الاجتماعية الأكثر فقرا التي تستحق أن تُولَى أهمية كبرى، وفكرة محدودية قدرة البيئة على الاستجابة للحاجيات الحالية والمستقبلية للبشرية، في ظل أنماط الإنتاج والاستهلاك السائدة والتقنيات المتوفرة.
إن التنمية المستدامة هي في حقيقتها تنمية شاملة تشمل الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لاسيما أن الهدف الأسمى لها يتمثّل برفع مستوى حياة المواطنين، والحدّ من فجوة الثروة والدخل بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، وبين مختلف الجهات والمناطق داخل البلد الواحد، فضلاً عن تحسين مستوى المعيشة والحياة.

يُفترض أن تتضمّن التنمية المستدامة في تونس بناء منوال تنموي جديد، تلعب فيه مؤسسات الدولة و الجماعات المحلية دورًا محوريا من أجل إنشاء بنية تحتية أساسية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

4- دور البلديات في تحقيق التنمية المحلية المستدامة

تلعب البلديات دورا بارزا في تحقيق التنمية المستدامة والمساهمة في تطور الإجتماعي وهو الأمر الذي أثبتته العديد من التجارب المقارنة في العديد من الدول التي تعتبر نموذجا ناجحا في هذا المجال، وذلك لاعتبار البلدية الخلية اللامركزية والتي تكون على قرب كافي من المواطن من السلطة المركزية وبتالي فهي تملك القدرة الكافية على معرفة متطلبات المواطنين، انشغالاتهم واحتياجاتهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى معرفة خصوصيات ومميزات الجهة وبتالي معرفة كيفية استغلال والتعامل مع هذه المناطق كل حسب خصوصيته وهو ما ينتج عن القدرة على الاستجابة لمتطلبات المواطنين وتوفير الخدمات الضرورية ومن ثم تحقيق التنمية المحلية التي ستنعكس حتما على المستوى الوطني وتكون عاملا في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة.
سيكون للمؤسسة البلدية دور حيوي في خلال توفير مختلف المرافق الإجتماعية الضرورية و توفير مختلف الخدمات و المتطلبات الإجتماعية التي يحتاجها الفرد من سكن ، صحة ، تشغيل ، مؤسسات تعليمية ، ثقافية و ترفيهية و السهر على حوكمة تسييرها .
أما إقتصاديا فإضافة لحسن تسيير المؤسسات الإقتصادية المحلية (كأسواق و المحلات التجارية و المناطق الحرفية … ) فستعهد للبلديات بناء و صيانة و التصرف في المناطق الصناعية مما سيساهم في تطوير المشاريع الإستثمارية و الإهتمام بالصناعات المحلية و توفير مواطن الشغل .

يعتبر الشأن البيئي من أولويات البلديات حيث تعتبر سلامة صحة الإنسان من أهم الإنتظارات إنطلاقا من توفير بيئة صحية و نظيفة و السهر على حماية التوازن البيولوجي و وترشيد التعامل مع النفايات و تشجيع المبادرات التطوعية التي تعمل في المجال البيئي.
إنّ استراتيجية التنمية المستدامة تنطلق من عملية متكاملة تتضمّن مبدأ المشاركة الذي لا يأخذ أبعاده الحقيقية إلا من خلال إشراك فئات واسعة من المجتمع في عملية اتخاذ القرار، وفي الإشراف على المشاريع التنموية والتنفيذ العملي لها. ويكتسب مبدأ المشاركة أبعادًا أخرى أكثر أهمية في مجال التنمية الاجتماعية، لكي تؤدي البلديات دورًا مهمًا في توفير خدمات أكثر فعالية للمواطنين، وفي تأمين المشاركة في التنمية المستدامة.

أملنا أن تكون التجربة التونسية الجديدة في متناول السكان فعلا وأن تمنحهم فرصا حقيقية لتوسيع مجالات اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻓﻲ صنع اﻟﻘرار اﻟﻤﺤلّي في إطار الديمقراطية التشاركية ، و من خلال المهام التي ستقوم بها المجالس البلدية والصلاحيات المخولة لها لبلوغ أهمية كبيرة في تحقيق التنمية المستدامة على المستوى المحلي نتيجة لربط قضايا التنمية المحلية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي بالبيئة.
رهان كبير و جدي أمام البلدية في تحقيق التنمية المستدامة من خلال توسيع فرص المشاركة في وضع الخطط والكشف عن متطلبات المجتمع المحلي وممارسة الحوكمة ، إضافة إلى إدارة الموارد المحلية وترشيدها في ظل ممارسة نشاط اقتصادي محلي يحترم قدرات البيئة، وتوفير المتطلبات الضرورية للمواطنين ، وحماية البيئة محليا في حدود الصلاحيات المحددة لمهامها.

بقلم عصام الدين الراجحي

المراجع
1-الدستور التونسي و بعض القوانين الأساسية
2- موسوعة الجزيرة
4- دوجلاس موسشيت، ترجمة وفاء شاهين، “مبادئ التنمية المستدامة“
5- توفيق المديوني التنمية المستدامة في تونس
6-التنمية المستدامة في الوطن العربي بين الواقع والمأمول، الإصدار الحادي -عشر لجامعة الملك عبد العزيز، جامعة الملك عبد العزيز

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *