الجمعة , 5 مارس 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / قراءات / دوام الحال من المحال

دوام الحال من المحال

المتابع للأزمة السياسية الخانقة في تونس يمكنه أن يستشف أن البلاد في حالة عطالة تامة اقترنت بظرفية شديدة الدقة تتمثل في وباء أنهك اقتصادا منهارا وزاد مقدار الاحتقان الاجتماعي السائد في البلاد منذ زمن في شكل قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة.

كما أنه لا يمكن لعاقل أن ينكر حجم الفساد الذي ينخر سائر القطاعات والمجالات والمؤسسات وما يسببه ذلك من آثار وخيمة على الاقتصاد الوطني وعلى المناخ السياسي.

ورغم حالة اليأس المستمرة والحزن المطبق الذي يخيم على عقلي دائما بمجرد أن أضع نصب عيناي ولمدة ثواني معدودات ما يحصل في تونس، إلا انني أحيانا أتراجع وأقول إن الازمة هي أول الطريق للانفراج.

ليس ذلك بالأمل الزائف او خطاب أخاطب به نفسي حتى أستجمع بعضا من القوة أو حتى أتشبث ببعض من الضوء وسط العتمة.

في الحقيقة، ذلك درس من الدروس التي لقنها التاريخ لسائر الإنسانية، فالأزمات هي حالة من انسداد الأفق والانهيار والفوضى التي تكون نتيجة حتمية وطبيعية لتراكم عدد من الأخطاء والزلات والممارسات، أو لفشل منظومة ما بشكل متكرر مما يفرض ضرورة الإقرار بذلك الفشل والدفع نحو إنهائه والإقلاع نحو مستقبل أفضل. ونتيجة أيضا لاختيارات خاطئة للعامة فمجرد الاتفاق بين الجميع على شيء ما لا يعني انه صحيح بالضرورة. والازمات مرحلة من مراحل الانفراج فلا يتحقق هذا دون ذاك.

ما يحصل في تونس طبيعي للغاية، ولماذا نستغرب؟ ولماذا نشعر بالاشمئزاز أحيانا؟ أوليس ما يحصل في أعلى الهرم تجسيد لما يجري أسفل الهرم؟ ألسنا نحارب ونقاتل من يسعى لإخراجنا من هذا المستنقع ونتلذذ بمن يمعن في إغراقنا فيه بل ونصفق له ونهلل له ونستقبل البطاطين وعلب الطماطم المركزة والمعكرونة بسائر أنواعها؟ إضافة الى عشقنا الازلي للسباحة في بحر “بترول لا فرونس ” في برج الخضراء والتلذذ بالملح والرصاص والزنك والذهب والبلوتونيوم واليورانيوم والكعكة الصفراء.

لماذا نستغرب؟ ألم يعبر الكثيرون عن رضاهم عن منظومة استبداد امتدت منذ دخل العثمانيون البلاد إلى حد سنة 2010؟ ألم يهلل جمهور منهم لمحاكمات اليوسفيين والإسلاميين وتحطيم اليسار وقمع الحركة الطلابية وارسال الطلبة الى رجيم معتوق؟ الم يهلل عدد منهم لقمع جمهور المحتجين في الأيام الأخيرة في الشوارع نظرا لان طريقة الاحتجاج لم ترق لمن تصلبت دماء التفكير في عقولهم فأصبحوا غير قادرين على التطور ويدفعون الى العودة إلى الوراء؟

لما الاستغراب؟ ألا يشعر الكثيرون بحنين لرئيس وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب أبيض وعذب التونسيين وقتلهم وشرد عائلاتهم ونهب من المال العام الكثير؟ ألا يتمنى البعض عودة بن علي والتجمع الدستوري الديمقراطي؟ ألا يتمنى البعض الآخر أحيانا ان تعود فرنسا الى تونس؟ أننكر هذا؟

لما الاستغراب؟ ونحن نجني ثمار منظومة الريع التي ركزها ذات يوم وزير أول يعتبره بعض ممن أصابهم داء “الانطباعية” واضطراب ” عبادة الشخص الواحد والحزب الواحد والأب الحنون والزعيم الأكبر ” “أب الاقتصاد التونسي”، وركز بسبب انفتاحه الغير مدروس اقتصادا قائما على سيطرة اللوبيات والعائلات المتنفذة التي أصبحت تضع الحكومات وتطيح بها. وفي المقابل ساهم في الإطاحة بتجربة تعاضدية وذلك بمؤامرة بين لوبيات عائلية متنفذة جزء منها أصاب الإعياء التام جسدها من تقبيل يد ” سيدنا صاحب الإيالة التونسية” و ” مسيو المقيم العام ممثل السلطة الفرانساوية الحامية لتونس. “

لما التعجب؟ ونحن نجني ثمار تحطيم المنظومة التربوية والأكاديمية ومحاولات تدجين الجامعة التونسية والتلاعب بالمقررات التربوية والعلمية؟ وتحويل الجامعة التونسية إلى ما يشبه معتقل غولاغ ضخم.

يستغرب البعض من هذه الازمة الخانقة وأسباب حصولها والحال أن أسبابها كامنة في أسسنا نحن. لا تقتصر على نظام سياسي غريب عجيب، او مؤسسات لم يتم تركيزها بعد، او نظام هجين لا منطق فيه، لست خبيرا ولا ادعى شرف ذلك. إن الازمة كامنة في تقاليدنا السياسية والعناصر السلبية في موروثنا المجتمعي وإرث ثقيل من العنف السياسي والاجتماعي وقطيعة بين السلطة والشعب نتيجة تحول الأولى إلى أداة في يد أرستقراطية المال والأعمال ورفض الثاني تطوير الذات والمجتمع. إن الازمة تعتبر تجسيدا لتاريخ طويل من الفساد والافساد وارث مستمر من غياب سلطة القانون والمؤسسات. وحصولها من الحتميات ومن الضرورات ومن المعلوم من التاريخ بالضرورة بل أن عدم حصولها يعد مؤشرا على أن عجلة التطور والتقدم توقفت بشكل تام.

أقول هذا وليست الغاية جلدا للذات أو نحوه، أقول هذا وقناعة تتملكني وأن هذه الازمة هي اول الطريق للانفراج، فالأزمات هي مناسبة لتراكم الوعي لدى الطبقات الشعبية بطريقة آلية لا يمكن لأي سلطة قمعية منع حصوله، وهي مناسبة لسائر الشعوب كي تتعلم الدرس وتستخلص العبر حتى لا يتكرر ما حصل سابقا، وحتى في صورة تكرره فإنه يكون أقل حجما وأقل خطورة.

يجب ان نمر بكل هذا. الفرق بين الشعوب التي صمدت والشعوب التي اندثرت هي مدى قدرتها على الصمود والنضال من أجل اجتياز هذه المراحل الصعبة والدقيقة.

أختم فأقول: دوام الحال من المحال.

محمد علي سلامة

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *