الأربعاء , 13 نوفمبر 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / دقّت ساعة الفرز: مع أو ضدّ الدولة الديمقراطية القوية والعادلة

دقّت ساعة الفرز: مع أو ضدّ الدولة الديمقراطية القوية والعادلة

تعيش تونس هذه الفترة على وقع الاستعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية، وقد اقترن التنافس على كسب الاستحقاقات الانتخابية القادمة بأزمة سياسية خانقة كان السبب الأساسي فيها الأحزاب الفائزة بانتخابات 2014. ومن المفارقات أنّ هذه الأحزاب المتحالفة بعد الانتخابات قد ركّزت في حملتها الانتخابية على شيطنة بعضها بعضا، لتكوّن تحالفا مغشوشا سرعان ما ضرب الانشقاقات أحد مكوّناته وتعدّدت فيه الشقوق بل تحوّلت أحيانا إلى حرب هراوات وبيانات وتخوين متبادل، وأفضت في نهاية الدورة الانتخابية إلى الانقسام إلى شظايا أحزاب وحزيبات تتاجر بفقر الفقراء وتستغل وسائل الدولة وأدواتها في حملاتها الانتخابية المبكرة. والملاحظ أنّ خلال هذه الفترة، أضحت هذه الأحزاب تعمل على الترويج لأشكال أخرى من التفرقة بين التونسيات والتونسيين حول مقولات واهية تفرّق التونسيين ولا تجمّعهم من قبيل الصراعات الهووية الجوفاء، وذلك في محاولة لمواصلة تزييف وعي التونسيين وخداهم.

ولئن نعتبر في التيار الديمقراطي أنّ خلال المرحلة الأولى وفي فترة الزّخم الثوري والجماهيري وأثناء مسار الانتقال الديمقراطي كان التناقض البارز الذي يحرّك الوضع هو الصراع بين المنظومة القديمة وقوى الثورة الداعية لتحقيق طموحات التونسيين. وكان محور هذا الصراع الحرية والديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية واستقلالية القرار الوطني والسيادة الوطنية على مقدّرات البلاد وثرواتها وحوكمتها واجتثاث الفساد.

غير أنّ عدم قدرة حكومات ما بعد الثورة على الاستجابة لتطلعات التونسيين من جهة، وتزايد ضغط القوى المعادية للثورة من جهة ثانية، أدّى إلى حالة من الاضطراب ومحاولة جدية للانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي، انتهى بتوافق خفي ومغشوش. ومما زاد الوضع هشاشة خلال هذه المرحلة الخطيرة تراجع الحركة الاجتماعية والشعبية وانتشار روح الإحباط واليأس في صفوف قطاعات واسعة من المجتمع وخاصة الشباب وتفشّي العزوف عن الشأن العام، في نفس الوقت الذي تراجعت فيه قوى المعارضة الثورية والديمقراطية وعدم نجاحها في فرض نفسها بديلا جدّيا وواضحا للائتلاف الحاكم ببرامجها وقدرتها على التعبئة وكسب ثقة جماهير الشعب. ومن المفارقات أنّ منظومة القديمة ومنظومة الحكم الجديدة قد بنتا التناقض بينهما على ثنائية الثورة والثورة المضادة وهو ما كان معيارا رئيسيا في انتخابات 2014 وأثّر في نتائجها.

وما ندعو التونسيين إلى الانتباه إليه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ تونس وهي مقدمة على استحقاقات انتخابية ستحدّد ملامح الحكم لمدّة خمس سنوات قادمة، أنّ مقولة تناقض شقّ الثورة وشقّ الثورة المضادة، على أهميتها، أصبحت تستعمل بدورها للمغالطة، لذلك فهي تستوجب تمعّنا ممن هم في صف الثورة، وتستوجب التذكير بأهداف الثورة وتبنيها جديّا ووضع البرامج الكفيلة بتحقيقها، وتبعا لذلك ليحدّد موقعه وموقع من يناصرهم. ذلك أنّ الثورة التونسية قامت ضد الاستبداد والفساد والوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئ، وعلى هذا الأساس فإنّنا نعتبر أن الفرز الجديد خلال المرحلة القادمة ينبني على التناقض بين تصوّرين وتموقعين:

– التموقع الأول يضم كل من كان مع الاستبداد أو مع الفساد أو مع سياسات تساهم في التفقير وارتفاع البطالة وانتشار التخلف على كل المستويات فهو تابع للثورة المضادة، ولا يعفيه من هذا الوصف أنه ليس من النظام القديم تاريخيا، ولا يعفيه من هذا الوصف انتماؤه ليمين أو يسار أو وسط أو وسط يسار أو وسط يمين أو غير ذلك من التموقعات التي ينسبها لنفسه أو ينسبها الناس إليه على حدّ تعبير الأستاذ محمد عبّو، والتي على أهميتها لا يمكن في هذه المرحلة التاريخية أن تكون المعيار الأهم في الفرز.

– التموقع الثاني فيضمّ كل من يتبنّى الديمقراطية والدولة القوية والعادلة القادرة على فرض سلطة القانون على الجميع دون تمييز أو استثناء والمقاومة الجدية والفعلية للفساد وتضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتقطع مع السياسات اللاوطنية واللاشعبية وتتبنى منوال تنموي جديد منصف وعادل ومولّد للثروة وقادر على استحداث مواطن الشغل وتحقيق الرفاه الاجتماعي لكل التونسيين عبر التقسيم العادل للثروات والتوزيع المنصف لثمرات النمو.

وانطلاقا من مسؤوليته التاريخية، فإنّ التيار الديمقراطي يدعو التونسيين إلى اليقظة والحذر من عمليات التحيّل الجديدة والمتجددة، وقد حان الوقت لتسود الاختيارات العقلانية لدى التونسيين خاصة وأنّنا مقدمون على انتخابات تشريعية ورئاسية ستحدّد من خلالها السياسات العامة لمرحلة هامة في تاريخ تونس. إنّ المطروح على التونسيين اليوم هو حماية المسار الديمقراطي عبر التصدّي لكل المغالطات حتّى لا تبقى ديمقراطيتنا الوليدة ضحية قلة الوعي وقابلية جزء كبير من شعبنا للاستغفال، وحتى لا تكون حجة ضد الديمقراطية تواجه بها الشعوب المستضعفة.

رضا الزغمي.

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *