السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / الأخبار الوطنية / حين تتحوّل أزمة المدرسة العمومية إلى موضوع توظيف سياسي لأحزاب الحكم

حين تتحوّل أزمة المدرسة العمومية إلى موضوع توظيف سياسي لأحزاب الحكم

تتواصل أزمة قطاع التربية في ظلّ غياب مبادرة لحلحة الأزمة من رئاسة الحكومة، والثابت أنّ السيد يوسف الشاهد لا يهتمّ أبدا بالقضايا الراهنة التي يعيشها التونسيون بقدر اهتمامه بتأسيس حزبه. ورغم تأكيد الجميع أنّ مطالب المدرّسين شرعية ولا يمكن لأيّ كان المزايدة في مشروعيتها، فإنّ أطراف السلطة سواء على مستوى وزارة التربية أو على مستوى رئاسة الحكومة لم تحرّكا ساكنا. وما يحدث الآن وبالنظر إلى المنعرج الخطير الذي آلت اليه الأوضاع، فإنّ هذه المآلات تستوجب من الجميع وقفة تأمل وتقييم بعيدا عن المواقف الانفعالية والعصبية القطاعية بالنسبة إلى المدرّسين ونقابة التعليم الثانوي، وبعيدا عن الحسابات السياسية والحزبية الضيّقة بالنسبة إلى أحزاب الحكم خاصة.

ذلك أنّ ما تعيشه المدرسة العمومية اليوم يعدّ أخطر الأزمات الوطنية والتي تتجاوز الظرف الحالي كما تتجاوز الجامعة العامة للتعليم الثانوي ووزارة التربية وحكومة الحالية وأحزاب السلطة، بل تمسّ من ماضي تونس وحاضرها ومستقبلها. ذلك أن التلويح “بالسنة البيضاء” والتي كانت في شكل صيحة فزع أطلها وزير التربية، مقابل مراوحة المفاوضات مكانها، فإنّ الغريب في الأمر هو صمت الحكومة والتي بدت غير معنية بهذه الأزمة ولا بالرهان المحاط بها، وكأنّ قضية المدرسة العمومية مسألة هامشية، حتّى أنّ السيد الشاهد بدا مرتاحا لهذا الوضع الكارثي الذي طال أمده وأرهق الجميع من مدرّسين وتلاميذ وأولياء.

وباعتبار أنّ الهدف الرئيسي للسيد الشاهد هو ضمان ديمومة حكمه، فقد ركّز كل اهتمامه على ميلاد حزب جديد للدخول به غمار الانتخابات القادمة سواء منها التشريعية أو الرئاسية، في ذات الوقت الذي تعمل فيه وزارة التربية على تمطيط المفاوضات وتسويف المدرّسين حتّى يظهر عجز النقابيين وتشويههم وتصويرهم كأطراف راديكالية من جهة، وعدم جدية الحكومة في مفاوضاتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يلوّح بإضراب أكبر في 20 و21 فيفري 2019. وما يظهر جليّا أنّ مسألة علاقة الحكومة بالاتحاد أصبح الرهان فيها الاستثمار في أزمة التعليم الثانوي لضرب الاتحاد العام التونسي للشغل. وتأكّد هذا التوجه بعد إعلان قيادات الاتحاد صراحة أنها لن تكون محايدة في الانتخابات القادمة وهي معنية بشكل غير مباشر عبر دعم أطراف سياسية قريبة من التوجه الاجتماعي للمنظمة الشغيلة. وهذا التمشي الجديد الذي عزم اتحاد الشغل على تبنّيه أصبح يؤرق حزب الشاهد وحلفائه باعتبار أنّه سيقلّل من حظوظ أحزاب الحكم سواء منها حزب الشاهد الناشئ أو الأحزاب المتحالفة معه الآن مثل مشروع مرزوق وبالخصوص حركة النهضة. ومن المفارقات أن تجد هذه الحركة متواجدة مع الجميع ولا تعطي موقفا واضحا بل أنّها أحيانا تصدر مواقف متضاربة. فمن ناحية تظهر تصريحات قياداتها مواقف مرنة، في حين أنّ صفحاتها تعمل جاهدة على تأجيج الصراعات بين الأحزاب السياسية ولاسيما بين حلفائها بالأمس وحلفائها اليوم أو عبر شنّ حملات تشويه على أحزاب المعارضة. ومن هنا يبدو الهدف الرئيسي لهذه الحركة هو إضعاف خصومها ومنافسيها المفترضين في الانتخابات القادمة، في نفس الوقت الذي تعمل فيه على مزيد إضعاف حلفائها الذين عملت بشكل أو بآخر إلى تفكيكهم من الداخل.
إلاّ أنّ القوى السياسية الحاكمة بقدر تنافسها وصراعها داخليا، فقد التقت في الاسثمار في أزمة التعليم الثانوي بصورة ظاهرة وفي تشويه الأحزاب المعارضة وخاصة الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية مثل التيار الديمقراطي وشيطنة الاتحاد وتشويهه بشكل ضمني، وهذه النقطة الأخير تمثّل تقاطعا بين أحزاب الحكم التي تعتبر أنّ الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية ولاسيما التيار والاتحاد وجامعته تمثّل العقبة الأبرز التي تقف أمام تحقيق أهدافها وبرامجها اللاوطينة واللاشعبية. إذا ظهر بالكاشف أنّ التيار الديمقراطي وبقية أحزاب المعارضة واتحاد الشغل هي القوى القادرة على خلق التوازن والتصدي للمؤامرات الداخلية والخارجية للحفاظ على ما تبقى من سيادة وطنية.
ومن هنا أصبحت حرب الأحزاب الحاكمة على أحزاب المعارضة تعمل وفق استراتيجية واضحة، إذ أنّها لا تجد حرجا في الحديث عن “سنة بيضاء” باعتبار أنّ هذا الخيار السيء يخدم مصالحها الحزبية والانتخابية، ذلك أنّها ستعمل بكل الوسائل لتحميل المنظمة الشغيلة وأحزاب المعارضة المسؤولية كاملة في في تأزّم الأوضاع، وستعمل تبعا لذلك إلى مزيد تأليب الرأي العام على كل من يعارضها.

لذلك فإنّ كل القوى الوطنية من أحزاب ومنظمات وطنية مدعوة إلى مزيد اليقظة والتعامل بحكمة مع ما يحاك في القصبة ومونبليزير وتجنّب الانجرار إلى مربّع التصعيد غير محسوب العواقب والتعامل بعقلانية في تحديد الأشكال النضالية والإسراع بتقديم حلول عملية تعيد الأمور إلى نصابها لضمان استقرار الأوضاع إلى حين اجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وبالتالي تحقيق ما يرجوه الجميع في تغيير المشهد السياسي وتعويض حكومة الفشل هذه بحكومة قادرة على حلّ المشاكل التي يعيشها التونسيون استنادا إلى برامج واقعية وعملية تضمن الكرامة المواطن وتحافظ على السيادة الوطنية.

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *