الأربعاء , 20 يونيو 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / حمم العدالة الانتقالية في بركان التوافق الساكن

حمم العدالة الانتقالية في بركان التوافق الساكن

قول محدّثي:

على الحزب، و لكي يكون حزب سلطة، أن يتحرك في مربع ضيق جدا. و تلك إكراهات السلطة ولا

فائدة من العنتريات”.”.

الفائدة من ” العنتريات” يا صديقي أن لا يتحول ذلك المربّع الضيق إلى دائرة رحى فتفرمك فرما..

و ليتك تكون فيها لوحدك.. و على المتخاذل تدور الدوائر.

و إن كانت أربع سنوات من حكم المنظومة القديمة تقريبا.. ليست بالفترة الطويلة لكننا رأينا أحداثا

و تغييرات متسارعة تحمل بين طياتها دلالات عميقة حول عقم القديم و تخاذل الجديد..

و تقطع الأمل في إمكانية تحلي هؤلاء و لو بنفس بسيط من الديمقراطية و بكل ما تشدقوا به،

خاصة منذ الحملة الانتخابية لحزب نداء تونس سنة 2014.

و في كل مرة نزداد يقينا بالنوايا الإنقلابية لحزب التجمعيين بمعية حزب حركة النهضة الذي لم يجد سبيلا سوى إعتبار التوافق مع نداء تونس “ضرورة وطنية ” وهو ما عبرت عنه قيادات الحركة في عديد المناسبات.. و المتغطي بالسبسي عريان…

و لئن أبدت القواعد النهضوية تذمرها خاصة تلك غير المنضبطة منها و كذلك أنصارها مما أسموه التنازلات المتبعة من قبل الحركة أو على الأصح من قبل قيادة الحركة و الانصهار الكلي لما يفرزه ” تكتيك الشيخ” من خطوات ” إستراتيجية ” قد تلقي بحركة النهضة مستقبلا تحت أقدام جلادها القديم بعد أن وضعت اليد في اليد معه. الأمر الذي دفع، حسب بعض التقارير الإعلامية إلى الدعوة إلى التفكير في مؤتمر استثنائي للحركة يحاول بمقتضاه ما يعرف ب “الصقور” المعارضين للغنوشي وخياراته الانفتاحية، قلب موازين القوى داخل الحركة، والسعي لإبعاد الغنوشي نفسه والتيار المساند له

وهو ما ترجمته الحملة الإعلامية أو الحرب الفايسبوكية الأخيرة التي شنتها القواعد الإعلامية النهضوية الرامية إلى ضرورة المواجهة بين سهام بن سدرين و حركة نداء تونس في إطار ما أطلق عليه ” الحرب بين الخير و الشر” تزامناً مع الهجمات العنيفة التي وردت في كلمات المشاركين خلال جلسة البرلمان بشأن التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة.

لكن سرعان ما اتضحت الرؤيا بعد الانسحاب التكتيكي لكتلة النهضة من الجلسة العامة تاركين بذلك بن سدرين تحت قبضة نواب التجمع، حلفائهم، ليتسنى لهم إقرار عدم الموافقة بتمديد عمل هيئة الحقيقة و الكرامة بسن أخرى.

الأمر الذي وضع أنصار حركة النهضة في شك حول تواطؤ حزبهم مع شريكه في الحكم للإطاحة ببن سدرين من على رأس الهيئة، و الذي مثل بمثابة الصدمة الأكبر لهؤلاء قبل غيرهم، خاصة بعد سلسلة من الخيبات في العديد من الملفات على غرار قانون المصالحة سيء الذكر، خاصة و قد حظيت النهضة بدعم كبير من كافة الأطياف و التنظيمات المؤمنة بالمسار الديمقراطي في تونس و بأهداف الثورة.

الخبر اليقين

هذا الشك لم يدم طويلا ليصبح من علم اليقين في غضون أيام معدودة مع صدور بيان من الحركة بعد اجتماع مكتبها التنفيذي، الثلاثاء، الذي جاء فيه التأكيد رسميًا على تمسك النهضة بمسار العدالة الانتقالية بغض النظر “عمن يدير هذا الملف”.

و لئن اعتبرت حركة النهضة أكثر الأحزاب المعنية بملف العدالة الانتقالية، فإنها تقف في موقف محرج وحساس للغاية بين إرضاء أنصارها من ناحية وتحصيل حقوقهم، وبين الإنصياع ل”متطلبات و إكراهات” المرحلة بالتخلي عن بن سدرين و قبول مسار عدالة انتقالية على قياس الجلاد..

وأكدت النهضة، في بيانها الأخير، تمسّكها بمسار العدالة الانتقالية “خياراً وطنياً وعنواناً أساسياً من عناوين الديمقراطية في تونس، وجزءاً من الرأسمال الرمزي لبلادنا، هدفه كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، بما يمكّن من طَيّ صفحة الماضي وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بعيداً عن منطق الثأر والانتقام والتشفي وانتصاراً لقيم العفو والتسامح.”

كما جاء في البيان أيضاً أن “العدالة الانتقالية استحقاق وطنيّ متعدّد المسارات يجب توفير شروط استكماله وإنجاحه، بقطع النظر عمن يدير هذا الملف”، مؤكداً “التزام الحركة الكامل باحترام مؤسسات الدولة ورموزها ورفضها لكلّ أشكال المسّ بها، أياً كانت المبررات والذرائع.”

وأشار البيان بوضوح إلى أن “النهضة” لا تتمسك بالهيئة كمسار وحيد للعدالة الانتقالية، ولا تتمسك أيضاً بمن يدير الملف، وهو ما يفهم منه أنها رفعت يدها عن الهيئة ورئيستها، بعد أن كانت أبرز داعميها.

فكيف يمكن أن تكون هذه هي مواقف النهضة اليوم ؟ و كيف ستبرر هذا الموقف أمام قواعدها؟

في حين تتآكل شعبيتها يوما بعد يوم حتى في صفوف أنصارها جراء تمسكها بالحكم تحت شعار التوافق و انبطاحها المستمر لفائدة حليفها نداء تونس على حساب أهداف الثورة.

تسعى النهضة إلى تقديم تنازلات مستمرة و موجعة في سبيل البقاء في الحكم الذي يمثل بالنسبة لها معركة وجود و تموقع و إن كان ذلك على حساب أنصارها، و إن اضطرها الأمر إلى الدوس على أهداف الثورة.. في حين تعمل المنظومة النوفمبرية باستغلال التوافق على استنزاف الثورة بمكوناتها و قواها الحية و رموزها و شخصياتها عبر تقسيم معاركها مرحليا و تفتيت خصومها و إفراغ الساحة من كل نفس ثوري مؤثر و إحراج الخصوم بحمم الملفات الساخنة إستعداد لتفجير بركان التوافق و مواجهة النهضة في نهاية المطاف. و إن كان قد نجح الغنوشي في كبح جماح جشع المنظومة النوفمبرية و يعمل على إطالة عمر التوافق ما أمكنه ذلك، إلا أن جشع هذه الأخيرة يشهد توسعا أكثر فأكثر توحي بحتمية المواجهة. و لعل أبرز دليل على ذلك دعوة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى تعديل النظام الانتخابي قبيل الانتخابات التشريعية القادمة و كذلك دعوته لتغيير النظام السياسي للبلاد الأمر الذي اعتبرته النهضة نفسها على لسان الناطق الرسمي للحركة بأنه عماد الخميري بأنه نظام سيعيدنا إلى هيمنة الحزب الواحد.

 

سالم النفاتي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *