الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية / مقالات و آراء / حكومة “الوحدة الوطنية” المغشوشة: التناقضات والمفارقات

حكومة “الوحدة الوطنية” المغشوشة: التناقضات والمفارقات

يوجد إجماع أن تونس تسير على الطريق الخطأ، وكان الاعتقاد إبّان اندلاع ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي وفرار المخلوع قد بلغت نقطة اللاعودة إلى الماضي. وكان المتوقّع أن يتجه مسار الانتقال الديمقراطي يتجه نحو التقدّم بالبلاد سياسيا وسيمكّنها من تحقيق نمو اقتصادي قوي باعتبار أنّها تخلّصت من منظومة الاستبداد والفساد التي كانت تعرقل هذا النمو، غير أنّ سوء الاختيارات السياسية وفشل الحكومات المتعاقبة من 2011 إلى اليوم، جعلت الأزمة الاقتصادية تتفاقم وحالة الاحتقان الاجتماعي تتزايد، في الوقت الذي تفاقمت فيه المديونية من 25 مليار دينار في 2010 إلى 43 مليار دينار ليبلغ حجم الدين 68 مليار دينارا.
وعلى إثر انتخابات 2014 وما أفرزته من عودة لرموز النظام القديم إلى الحكم، تكثّفت الدعوات إلى “توافق وطني” بين الحزبين الفائزين في الانتخابات، وتمحور توافقها المغشوش على تغليب المصالح الحزبية والشخصية الضيّقة على حساب المصلحة الوطنية. وعملت أطرف هذا التوافق بكل الوسائل إلى تمرير قانون المصالحة المشبوه، كما عملت على تسويق لحكومة “وحدة وطنية” فشلت في تحقيق وحدة كيانها ولاسيما بعد فشل حكومة الحبيب الصيد والذي “أطرد” من رئاسة الحكومة بعد تهديده بالمرمطة “الترمديد”، لتليها الدعوة إلى “حكومة وحدة وطنية” جديدة كان أساسها وثيقة هجينة سمّيت “وثيقة قرطاج” وعمل واضعوها على تجميع أكبر عدد ممكن من الأحزاب حسب زعمهم وقد ضمّت أحزاب النداء والنهضة وآفاق والجمهوري والمسار.
غير أنّ هذه “الوحدة الوطنية” التي بنيت على مغالطات كبرى سقطت في تناقضات صارخة بين مكوّناتها. ذلك أن أحد مكوّنات هذه الحكومة وهو حزب آفاق تونس قد شنّ أخيرا هجوما على حركة النهضة أحد الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم. فقد أطلق رئيس حزب آفاق تونس حملة تشكيك في نوايا شريكه في الحكم وحقيقة فصل النهضة بين الدعوي والسياسي، هذا التشكيك الذي سبق أن عبّر عنه الشاغل لمنصب رئيس الجمهورية في تصريح لإحدى وسائل تراجع عنه في تصريح موال.
ويبدو أنّ هنالك أزمة ثقة بين هذا الائتلاف الحاكم ولاسيما فيما يتعلّق بالموقف من حركة النهضة، ويبدو أنّ هنالك شكّ في صدقية تملّصها من “تهمة الإسلام السياسي” على الرغم اعلانها عن ذلك خلال مؤتمرها العاشر العام الماضي. وتعتبر الأحزاب الشريكة في الحكم أن النهضة ذات التوجه الإسلامي تحتاج لسنوات لتصبح “حزبا مدنيّا”، فقد اعتبر رئيس آفاق تونس ياسين ابراهيم “أنّ التحالف القائم حاليا بين النهضة والنداء غير مبنى على الثقة” وأكّد في تصريح إذاعي أنّ ”العائلة السياسية المدنية الحداثية لديها رؤية للمجتمع مخالفة للرؤية التي تدافع عن الإسلام السياسي”. بل أكثر من ذلك، ما يلاحظ أن رئيس آفاق تونس قد شدّد على ضرورة الحاق هزيمة بالنهضة في الاستحقاق الانتخابي المقبل في 2019، وأكّد على ضرورة وضعها في اختبار حول مدى ابتعادها “عن نهج العنف” وتقدير مدى التزامها “بالمدنية” عبر جعلها ضمن الأقلية المعارضة. وبرّر ياسين ابراهيم دعوته إلى “عزل الخوانجية” بسبب تنامي العنف الذي ارتبط بفترة حكم النهضة، مشيرا إلى أنّ “الاغتيالات التي استهدفت عناصر قوات الأمن والجيش خلال 2013 و2014 و2016 وما رافق ذلك من تسيّب لم يحصل بشأنه أي محاسبة جدّية.” واعتبر أنّ الفرز القادم سيكون عبر تحسيس التونسيين بضرورة اختيار ”العائلة المدنية النظيفة”، المستعدة لخدمة المواطنين وليس لخدمة مصالحها، بما يعنيه أنّ الحركة النهضة الشريكة في الائتلاف الحاكم لا ترتقي إلى مستوى المدنية والنظافة التي عليها بقية الأحزاب الشريكة. في المقابل كان ردّ القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي على رئيس آفاق تونس عنيفا، فقد اعتبر أنّ “نظريات تكنوقراط ليس لها خبرة في الحياة السياسية ولا تملك أدنى فكرة على تاريخ النهضة التي لم تتبنى العنف أمام بن علي وجبروته”، مؤكّدا على التوجه المدني للحركة، وأضاف أنّه “كان بالأحرى لياسين براهيم أن يقدم تصورات بجديدة لقانون المالية عوض الاحتكاك على حركة النهضة. نحن حلفاء في الحكم ولكن كلمة خوانجي التي استعملها غير مؤدبة وحذاري… والشعب يكره الأحزاب السبابة.”
مقابل تبادل السبّ السياسي بين شريكي الحكم آفاق والنهضة، تتنامى في الأيام الأخيرة التناقضات داخل هذا الائتلاف الحاكم بعد إعلان الحزب الجمهوري انسحابه من الحكومة، ورغم ضعف تمثيليته بها، وعلّلت اللجنة المركزية للحزب الخروج من الحكومة، باستحالة العمل داخلها نتيجة هيمنة بعض الأطراف عليها وارتهانها لحزبي نداء تونس والنهضة، وبسبب تراكمات وقضايا خلافية عديدة، أهمها قانون المصالحة الذي اقترحه رئيس الجمهورية وحزب نداء تونس، ويبدو أنّ أمين عام الحزب الجمهوري تفطّن – وإن كان بشكل متأخّر – أنّه شارك في حكومة حزب نداء تونس، بقيادة مديره التنفيذي حافظ قايد السبسي، واصفا الوضع داخل هذا الائتلاف بأنّه يشهد حالة من التعفن. ويذكر أنّ الحزب الجمهوري قبل استقالة ممثّله في هذه الحكومة من الحزب، وفي هذا السياق أبدى الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي أسفه لما اعتبره “خضوعاً من قبل إياد الدهماني لأطراف الإملاء في حزب نداء تونس بهدف المحافظة على منصبه الحكومي.”
وقد فتحت هذه التصريحات الباب على مصراعيه لردّ عنيف من نداء تونس وصلت الى حدّ وصف القائمين على الحزب الجمهوري “بالمنافقين السياسيين والتمسح على اعتاب السلطة وازدواجية الخطاب، وأنّ النداء لن يقبل بالتواجد معه في نفس الأطر السياسية”، ناعتا إياه “بالحزب الفاشل في الانتخابات…ومن أحزاب الصفر فاصل”.
ومن المفارقات في هذا الائتلاف الحاكم والموقّعين على ما يسمى بوثيقة قرطاج، أنّ الحزبين المسيطرين على هذه الحكومة والداعمين لها وهما النهضة والنداء، ينتقدان مشروع الميزانية وقانون المالية لسنة 2018 بصيغته الحالية، كما أنّه يجد معارضة شديدة من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الشريك الفاعل في وثيقة قرطاج، علما وأن منظمة الأعراف تهدّد بالخروج من وثيقة قرطاج إذا تمّ تمرير قانون المالية بشاكلته المطروحة. في المقابل يحظى مشروع الميزانية نفسه وقانون المالية ذاته بدعم من الحزب الجمهوري المنسحب من هذه الحكومة.
من خلال ما تقدّم نتبيّن عمق التناقضات التي بنيت عليها ما سمي بوثيقة قرطاج وحكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عنها، لما تشقّها من خلافات في توجهات وخيارات بعيدة عن المصالحة الوطنية وما تفرضه من إصلاحات هيكلية وجذرية وتيسير الإجراءات الإدارية ومحاسبة من يشتبه بارتكابهم فساد مالي والاعتداء على المال العام.
رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *