السبت , 21 أكتوبر 2017
الرئيسية / مقالات و آراء / حكومة اللّسان الكاذب والعقل المُغيّب

حكومة اللّسان الكاذب والعقل المُغيّب

تواترت في الفترة الاخيرة تصريحات بين طرفي التوافق الحكومي الخاضع لرعاية الشيخين، بين أوّلٍ يدافع عن الحداثة وثانٍ يطالب بالتأصيل في وضع اقتصادي واجتماعي قد يكون من أصعب الفترات التي عرفتها تونس في تاريخها المعاصر. ولعل تقارير البنك المركزي ومعهد الإحصاء حول عجز الميزان التجاري الذي بلغ رقما قياسيا في السبعة أشهر الأولى من السنة الحاليّة بالإضافة إلى عجز ميزان الدفوعات ( الميزانية) أكبر دليل على خطورة الوضع الرّاهن وعلى الفشل الذريع لمنظومة التوافق في الإيفاء بوعودها. ولا يُقصد هنا الإيفاء بالوعود التي وُجّهت للشعب لأنّ الجميع يعلم أنّ آخرهمّ هؤلاء هو الشعب، بل المقصود هو الإيفاء بوعودهم أمام المانحين الدّوليين وحتى أمام توقّعات قانون ميزانية 2017 الذي تحدّث عن نسبة نمو ب 2,5% وحقيقة الأمر أنّها وحسب أرقام النمو في الثلاثي الأوّل والثاني، لن تتجاوز ال 1,5%. هذا بالإضافة إلى عدم إيفاءهم بوعدهم في محاربة الفساد حيث لم تتقدم تونس خطوة واحدة في التقييم الدّولي للدول المحاربة لمظاهر الفساد بل بالعكس فقد أكّد مؤشر ”بازل” الأخير تراجع تونس ما يفوق الثلاثين مرتبة في مكافحة تبييض الأموال. كما جاء في تقرير مجموعة الأزمات الدولية أنّ الاقتصاد التونسي يخضع لهيمنة وتحكم 300 شخص، مما يؤكد تواصل سياسات المحسوبية والمحاباة.

كل ما تقدم ذكره من معطيات ولّد وعيا حقيقيا لدى فئة هامة من الشعب التونسي بكون انتخابات 2014 كانت أكبر عملية تحيّل على تونس وثورة شعبها، ومع تفاقم الأزمة شعرت الأحزاب الحاكمة بالخطر الداهم الذي يمكن أن يهدد كياناتها وحتى مستقبلها السياسي نظرا لخسارتها ثقة جزء كبير من مخزونها الانتخابي وفق ما جاء في أغلب استطلاعات الرأي. هنا وكوسيلة لاستعادة أكبر قدر ممكن من المناصرين التقليديين وتجييشهم وراءهم، لم يجد الشاغل لمنصب رئيس الجمهورية وزعيم “مونبليزير” الا إحياء عواطف الشعب وتغييب عقولهم وتخويفهم من الآخر “العدو” الذي يهدد أنماط حياتهم، وسرعان ما نصّبت المنابر الإعلامية مدفوعة الأجر كجنود لهذا الخيار التخويفي الرجعي بهدف إعادة تجنيد وتجييش المناصرين وراء الطرفين، أبناء الجد الواحد، اللذان تحالفا سابقا وسيتحالفان لاحقا في “حكومة حرب” ضد الشعب.

لقد بات واضحا وجليّا للشعب التونسي اليوم حقيقة هذه الخدعة المسماة زورا صراع ”حداثة ضد تأصيل” وأصبحوا يطالبون أكثر فأكثر بخطاب عقلاني يتماشى مع واقعهم المعيشي الحقيقي، فهل سيستجيب الخطاب السياسي للأحزاب الحاكمة لهذه المتغيرات أم سننتظر حتى انتخابات 2019 لنرى النتيجة؟

وفِي النهاية لا يسعني الا التذكير بكون افضل وسيلة للحكومات للسيطرة على الجماهير هي انتاج العواطف، لانه من السهل التحكم في عاطفيين اكثر من العقلانيين.
”هيرو”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *