الثلاثاء , 20 أبريل 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / قراءات / حفريّات في الهويّة التيّاريّة: في البدء كان المشترك!

حفريّات في الهويّة التيّاريّة: في البدء كان المشترك!

                                                                       

بما أنّ التيّار الدّيمقراطيّ حزب سياسيّ فمن تحصيل الحاصل أن تكون له مرجعيّة أيديولوجيّة ما تشكّل “ذاتيته” و”خصوصيته” و”هويّته”، بها يتمايز عن غيره من التّنظيمات السّياسيّة أحزاب وحركات، ويتميّز، مرجعيّة هي مبرّر وجوده. أيديولوجيا لا نراها “منغلقة” تدّعي الحلول “الكليّة” و”النّهائيّة” وإنّما هي “منفتحة”.. لذا أمكن القول أنّ للتيّار الدّيمقراطي حوامل أيديولوجيّة ولكنّه ليس بالحركة الأيديولوجيّة. 

في تمييزنا لما بين “الحزب” و”الحركة” في علاقتهما بـ”الأيديولوجيا” نستعيض من المناطقة اصطلاحهم، فالأيديولوجيا “جوهر” في الحركة وهي في الحزب “عرض”.. ومعنى “الجوهر” ذاك “الموجود الثّابت القائم بذاته” ومن ثمّة فـ”الاشتراكيّة-العدالة” لدى الشّيوعيّ هي حصرا ودائما تلك التي عرّفها ماركس في “رأس المال”، و”العروبة-الوحدة” لدى القوميّ هي تحديدا التي بيّنها ميشيل عفلق في “في سبيل البعث”، و”الإسلام-الدّين” لدى الإخوانيّ هو الذي وصّفه حسن البنّا في “مجموعة رسائل الإمام الشّهيد”…الخ. ومعنى “العرض” ذاك “الموجود في موضوع،ولا يصحّ بقاؤه وقتين” أي المتحيّز بـ/في “المكان” و”الزّمان”، ولذا فـ”الاشتراكيّة-العدالة” و”العروبة-الوحدة” و”الإسلام-الدّين” مصطلحات هي لدى الحزب السّياسيّ، وتحديدا التيّار الدّيمقراطيّ بفهمي وحفري، مقولات متحوّلة المعاني طبقا لتفاعلها مع “المعيش” و”الواقعيّ”. وعليه فـ”الأيديولوجيا” كـ”عرض” أو ما يمكن تسميتها بـ”الأيديولوجيا المخفّفة” هي المحايثة لـ”الواقع Physique” على طرف من “الأيديولوجيا” كـ”جوهر” والتي نسمّيها بـ”الأيديولوجيا المركّزة” المحلّقة في “ما بعد الواقع Métaphysique”.. يُفترض أنّ “الواقع المعيش” هو “القاسم المشترك” بين مختلف الفرقاء ولكن هذه “الحقيقة” لا تُرى بـ”رؤيا الحركة” بذات “رؤية الحزب”، كيف لا والرّؤيا حلم والرّؤية يقظة.. فـ”تونس” مثلا من منظور التّيار الدّيمقراطيّ، ولأنّه حزب سياسيّ، “وطن” و”دولة”، ولكن من منظور الحركة الأيديولوجيّة هي “إقليم” ضمن “الوطن العربيّ” كما في أدبيّات حركات قوميّة، و”ولاية” تابعة لـ”دولة الخلافة” كما في مرجعيّة حركات إسلامويّة.. ومن ثمّة فالتيّار الدّيمقراطيّ وهو يتمسّك بالعيش في “الواقعيّ” يدفع منذ البدء نحو ذاك “المشترك  “le communوهو لعَمري مرتكز نظريّ يتوق إلى “الأنا الجمعيّ الوطنيّ” في ساحة يرى فرقاء في “المختلف le différent” مرتكزهم إثباتا لـ”أنوات فرديّة الحزبيّة”.

الأيديولوجيّ بهذا المعنى هو النّاظم لـ”العلميّ” (القيم…) و”العمليّ” (السّياسات…) ونمثّل لذلك من وثيقة “الهويّة والخطّ السّياسيّ” المرجعيّة أنّ “حزبنا غير معاد للأيديولوجيّات أو الأفكار التي تتبنّاها الأحزاب والمنظّمات الأخرى…” غير أنّ هذا “العلمّي-القيميّ” الجامع غير الإقصائيّ لا يُقتطع عن “العمليّ-السّياسات” إذ يواصل النّص مؤكّدا “…ما دامت مُلتزمة بالدّستور والقوانين”.. والمفهوم من معكوس المنطوق أنّ التّيار يعادي الأيديولوجيّات والأفكار غير المنضبطة بالدّستور وغير الملتزمة بالقانون.. فالقاعدة أنّ التيّار “يتميّز بالتّسامح وعدم رفض الآخر” لذا “يمكن للحزب الدّخول في تحالفات أو تنسيق مع أحزاب أخرى بشروط منها “ألاّ تتبنّى أفكارا مخالفة لقيم الجمهوريّة”.. رؤية في التّعاطي مع الآخر مبتكرة في السّاحة الأيديو-سياسيّة لا تقيّم “الآخر” ولا تقوّمه/تحسم فيه انطلاقا من المختلف النّسبيّ الـمُتبنّى من قِبل “الأنا” وإنّما من المشترك الذي يجمعنا ويُفترض أنّنا أجمعنا عليه: 1.الدّستور، 2.قيم الجمهوريّة، 3.القانون. وحينها ترى التيّاريين بمنطوق “بيان التّأسيس” للحزب: “لا يعادون من يختلف معهم الرّأي، ولكنّهم مقتنعون بالأفكار والآراء في(…) البيان التّأسيسيّ وفي وثيقة الهويّة والخطّ السياسيّ، حيث يتعاهدون على العمل في حدودها”!.. إنّ الخروج عن ذاك المشترك الجامع (الدّستور، قيم الجمهوريّة، القانون) يفضي إلى مثلبيْ “الانكفاء على الذّات” و”إقصاء الآخر” والتّيار على العكس من ذلك مع “الانفتاح” و”التّنوّع” وفرق بين اقتناع المؤدلج أنّه يملك الحقيقة، حقيقته، واحتكاره لها باعتبارها حقيقتنا! فكلّنا يرى أنّه يملكها وإلاّ لما تبنّاها غير أنّ من شأن احتكارها الزّحزحة من التّنافس المحمود إلى التّنافي المذموم وهو ما يقاومه التّيار حتّى داخله إذ يورد بالفصل7 من نظامه الدّاخليّ أنّ على المنخرط “النّأي عن(…) النّعرات الأيديولوجيّة” لأنّ النّعرة تفرّق.. التيّار الذي مبدئيّا لا يعادي والمتميّز قيميّا بالتّسامح وعدم رفض الآخر لا يرتضي لنفسه سلبيّة القعود والصّمت متى مَسّ غيره من مشتركنا ولأجل ذلك رأيناه في “بيان بمناسبة ذكرى اعلان الجمهوريّة” بتاريخ 25 جويلية 2017 “يدعو كلّ التّونسيّين إلى اليقظة الدّائمة والاستعداد للدّفاع عن مكاسب الجمهوريّة من كلّ المخاطر المتأتّية من مجموعات متطرّفة أو من حكّام لا يؤمنون بقيم الجمهوريّة”!.. التيّار يدعو الفرقاء إلى كلمة سواء هي “أدلوجة مكاسبنا وقيمنا” ولكنّ أكثرهم لأيديولوجياتهم يحتكمون جاعلين منها “سرير بروكرست “lit Procust فيبترون أطراف الممدّدين متى طالت ويقطعون أوصالهم جذبا متى قصروا!..

قد يعترض قائل: “كلّ الأحزاب مؤمنة بالدّستور والجمهوريّة والقانون وما ورد أعلاه تزيّد من متحزّب منافح عن تيّاره” فنردّ: ليس الكلّ بالمؤمن وإن كان البعض مضطرّا لذلك مذكّرين أنّ جلّ الأحزاب تأسّست بمقتضى المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المؤرّخ في 24 سبتمبر 2011 وكذا تأسّست جلّ الجمعيّات بمقتضى المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرّخ في 24 سبتمبر 2011 قبل المصادقة على الدّستور وقيمه في 26 جانفي 2014 ولأجل ذلك ننتصب مدافعين عن هذا “القاسم القيميّ المشترك” !

فوزي الشّعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *