الثلاثاء , 20 أبريل 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / “حفريّات في الهويّة التيّاريّة”: المختلف بعد المؤتلف!

“حفريّات في الهويّة التيّاريّة”: المختلف بعد المؤتلف!

إذا كان ثالوث “الدّستور، وقيم الجمهوريّة، والقانون” هو “القاسم المشترك” بين التّونسيّين ونسمّيه “الهويّة السّياسيّة” ونُنزّله ركنا ركينا في أيديولوجيّة التيّار الدّيمقراطيّ فإنّ هذه الأيديولوجيا لا تنحبس في “المؤتلف” وإلاّ لكان كـ”غيره” وإنّما تتعدّى إلى “المختلف” لتظهر “ذاته”.. ثنائيّة “الأنا” و”الآخر” بل وجدلهما تحضر بجلاء في “بيان التّأسيس” للحزب المؤكّد على أنّ التيارين: “لا يعادون من يختلف معهم الرّأي، ولكنّهم مقتنعون بالأفكار والآراء في(…) البيان التّأسيسيّ وفي وثيقة الهويّة والخطّ السّياسيّ، حيث يتعاهدون على العمل في حدودها”!

للتيّار الدّيمقراطيّ هويّته الأيديولوجيّة، وهي في بعض مفاصلها “تأويل” لذاك المشترك. فلكلٍّ تأويله، ومن المخاتلة ادّعاء فريق أيديو-سياسيّ أنّ “هويّته” الخاصّة ذاتها “هويّتنا” الجماعيّة! ورغم اقتناع التيّاريّين بهويّتهم يقي هم التّنسيب من “المغالاة” نظرا و”المعاداة” عملا ما يجعلهم لا فقط أكثر انفتاحا على المخالفين بل ومتفهّمين لهويّاتهم ومتطلّباتها. ولنا في “واقعة/وقيعة المساواة في الميراث” نموذجا نضربه للتّعاطي من منظور الهويّة التيّاريّة المتجاوزة لما يسمّيه أمين معلوف “الهويّات القاتلة Les Identités meurtrières”. التيّاريّون والتيّاريّات لا يمكن أن يكونوا إلاّ مع المساواة وفي كلّ شيء، فعلى هذا أمضوا يوم الانتماء وأقسموا حين تحمّلوا الأعباء، ومن ثمّة فالمساواة بعض هويّة “يتعاهدون على العمل في حدودها”. فمن جهةِ “الهويّة التيّاريّة” تُقرّ وثائق التّأسيس أنّ “حزبنا يدعو لضمان حقوق الإنسان في كونيّتها وشموليّتها…” وترى أنّ “الدّولة تكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين بقطع النّظر عن انتمائهم: الجهويّ والدّينيّ والعرقيّ والنّوعيّ”. ومن جهة “الهويّة المشتركة”، المدمجة في مُسمّى الأيديولوجيا التيّاريّة، يتقرّر بمنطوق الفصل2 من الدّستور أنّ “تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة…” ومن ثمّة فـ”المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز” بمقتضى الفصل21.. وعليه لا يمكن أن يكون التيّاريّون في صفّ “التّفاوت”. وخلاف إيمان أصوليّي “اليمين اللاّهوتي” بتفاوت يراه مُراد الرّب، وايمان أصوليّي “اليسار النّاسوتيّ” بمساواة يعُدّها بشارة النّخب لا نرى التيّار يقترح حلّا تشريعيّا “ما بعد أصوليّ Post-fondamentaliste”، لا فقط “الأصوليّة القداميّة” وإنّما أيضا “الأصوليّة الحداثيّة”.

غاية المقترح التّياريّ حسب بيان 23 أوت2017 تخطّي “التّجاذبات والصّراعات الهوويّة، والاستثمار السّياسيّ فيها” و”التّلاعب بالمشاعر الدّينيّة للمواطنين من طرف من يريد الاستفادة من بعض القضايا، سواء باحتكار حداثة لا شيء في ممارساته يفيد تبنّيها والاقتناع بها، أو من يريد احتكار صورة المدافع عن الدّين رغم أنّه لم يساهم في أخلقة العمل السّياسيّ، ولا في حماية أموال النّاس وأعراضهم، ولا في تكريس ما يعلنه من التزام بالقيم على أرض الواقع”. وعليه وإذ نصّ “بيان حول الحريّات الفرديّة والمساواة” في 15 أوت2018 على “الالتزام بالدّفاع عن مدنيّة الدّولة وديمقراطيتها وبمواصلة النّضال لتحقيق أهداف الثّورة الاجتماعيّة الدّيمقراطيّة ومن أجل التّكريس الفعليّ للحرّيّات الفرديّة والمساواة التّامّة والفعليّة وربطها بالحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة صونا لكرامة عموم التّونسيّين والتّونسيّات ومنعا لكلّ أشكال التّمييز” فقد أكّد التيّار الدّيمقراطيّ “على موقفه المبدئيّ من مسألة المساواة في الميراث عبر إقرار منظومتين تتأسّسان على مبدأيْ المساواة في الميراث كقاعدة وحريّة اختيار أحكام الميراث الواردة بمجلّة الأحوال الشّخصيّة بصيغتها الحاليّة”. نظام مزدوج “القاعدة” فيه “المساواة” كحقّ إنسانيّ ومواطنيّ و”الاستثناء” فيه “حرية الاختيار” لمن عبّر قانونيّا عن رغبة مغايرة ليتصرّف في ماله بما لا يتعارض وإيمان يرى صحّته ووجوبه تساوقا مع منطوق الفصل6 من الدّستور: “الدّولة(…) كافلة لحريّة المعتقد والضّمير”، وهكذا يتمّ تجاوز الهويّات الضيّقة بالسّياسات الواسعة.. ومن ثمّة تمّت استعاضة الصّراع الهوويّ بين “الدّين” و”الحداثة” بجدليّة مواطنيّة قائمة على “المساواة” و”الحريّة”.. 

مقترح عملي، يحمي قيمتي “المساواة” و”الحريّة”، وإن ينفي عن التّيّار الدّيمقراطيّ صبغة “الحركة الأيديولوجيّة” بموضعه “حزبا سياسيّا طليعيّا” يُستشفّ من نصّ “الهويّة والخطّ السّياسيّ” في فقرة نموذجيّة وغير مسبوقة: “يعمل الحزب على إحداث تغيير في بعض الظّواهر الثّقافيّة السّلبيّة للتّونسيّين دون تدخّل في الحياة الخاصّة للنّاس ونمط حياتهم واختياراتهم الشّخصيّة، ويواجه النّاس بالحقيقة قدر الإمكان حتّى وإن اقتضى الأمر خسارة أصواتهم”. حزب ينخرط في السّياسة بما هي فنّ تدبير الشّأن العام إذ ليس طموحه مجرّد حكم المجتمع وإنّما إحداث تغيير فيه يتساوق وحركة التّاريخ في تجاوز لمسمّى “الحسّ المشترك Sens commun” بما هو حُكْم العادات والتّقاليد مقابل “الحسّ السّليم Bon sens” بما هو حَكَم عليها، وفي تجاوز لعموميّة “الشّعب يريد” بخصوصيّة “الرّأي السّديد”. إذا ما كان الحزب هو “المثقّف الجمعيّ” بتعريف غرامشي فإنّ التّيّار الدّيمقراطيّ نراه “المثقّف الجمعيّ العضويّ” ضديد “المثقّف التّقليديّ”.. طموح مقاربة تَصِلُ “القيميّ” بـ”الحقل السّياسيّ”. القيم بما هي “علم/وعي” ما عاد يتشكّل من مجرّد أفكار أو أفكار مجرّدة، بل أضحى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بـ”العمل/السّلوك” أي بالإنتاج، إنتاج “الإنسان” أوّلا، ككائن واع موصول بكوجيتو: “أنا أفكّر إذا أنا موجود”، وإنتاج “المواطن” ثانيا حيث الوجود الاجتماعيّ والجمعيّ في ارتباط بذاك الوعي الفرديّ.. وهكذا يُنظر إلى السّياسة (الحزب، الانتخابات، النّيابة…) باعتبارها آليّة لتدبير شأن عامّ يحمله مُلاّك مشاريع تقدّميّة بديلة، اجتماعيّة ديمقراطيّة، لا قائمين على دكاكين قِبلتهم سلطة متى حجّوا مكّتها تحوّزوا كعبتها!

فوزي الشّعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *