الجمعة , 5 مارس 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / حفريّات في الهويّة التيّاريّة: التّيّار الدّيمقراطي والأيديولوجيا

حفريّات في الهويّة التيّاريّة: التّيّار الدّيمقراطي والأيديولوجيا

لا نعني بالأيديولوجيا المعنى الذي يرادفها و/أو يطابقها بـ”العقيدةDogme ” و”المذهبDoctrine ” و”الطّوبوبّة Utopie” والتي هي بزعم منشئيها ومتبنّيها رؤية تفسيريّة وحلول عمليّة لـ”كلّ شيء” في “كلّ مكان” و”كلّ زمان” ولصالح “كلّ إنسان” ما يسِمها بـ”الحقائق Réalités et Vérités ” و”الحقّوق Droits” مقابل وصم الغير بـ”الخطأ” في واسع سُبُل “العقل الخالص Raison pure” و”الخطيئة” في ضيق أزقّة “العقل العمليّ Raison pratique”.

ولكن نعني بالأيديولوجيا مُجمل المفاهيم والقيم الواقعيّة والمعياريّة التي تجمع من جهة أفرادا على خيارات تُرى الأجدى تحقيق غد أفضل وعلى أساس تلك القناعات والرّغبات ينتظمون سياسيّا في “أحزاب” و”حركات” ما يجعلهم من جهة أخرى في اختلاف نظريّ و/أو خلاف فعليّ. وبهذا المعنى ليس “الحزب السّياسيّ Parti politique” أيديولوجيّ بالمعنى الأوّل كما هي “الحركة السّياسيّة Mouvement politique” وإن كان ضرورة هو أيديولوجيّ بالمعنى الثّاني إذ لا يمكن لذاك المجمع من الانعقاد لو لا توفّر “فكرة” جامعة و”مصلحة” مُرتجاة.

وقد عبّر الدّكتور محمّد عابد الجابري عن ذاك المثلّث في كتابه المرجع “العقل السّياسيّ العربيّ: محدّداته وتجلّياته” رمزيّا بـ”القبيلة” (الحزب) و”العقيدة” (الفكرة) و”الغنيمة” (المصلحة). وعليه من الخطأ والمغالطة القول أنّ حزبا ما “لا أيديولوجيّ” إذ مثل ذاك الزّعم ينحطّ به إلى مستوى “مجمع التّفكير Think tank” أو “مجموعة ضغط Lobby”.

إنّ رفع لواء “موت الأيديولوجياLa mort des idéologies ” كان ايديولوجيّة اللّيبراليّين الجُدد و”بشارتهم” بداية من ثمانينات القرن العشرين بسُؤدد النّموذج الضّديد للإشتراكيّة الذي بدأ أفول نجمه السّوفياتي وانهيار معسكره الإشتراكيّ، الماركسيّ والعروبيّ.. “موت الأيديولوجيا” بتأويلنا هو كمقولة “موت الإله” لفريديريك نيتشة و”موت المؤلّف” لرولان بارت لا تعلن “موت المعنى” بقدر تبشيرها بولادة أيديولوجيات وآلهة ومؤلّفين آخرين بمعاني مغايرة للسّائد.. فالموت هنا لا يوجب العزاء بقدر ما هو تبشير بأيديولوجيات وإذ تُعلي لواء “الفكرة” فإنّها تتخطّى “العصمة” و”المانويّة” ما يجعل الحقّ حقوقا والحقيقة حقائق بما يجعلنا نشترك في “المسمّى”  كـ”ذات” واحدة ونختلف في “الاسم” بما هو “صفات” مختلفة.

في ضوء ما ذكرنا يكون مخاتلا للعمليّ ومخالفا للعلميّ قول بعضنا أنّ “التيّار الدّيمقراطيّ حزب غير أيديولوجيّ” لا فقط نراه يحطّ من “طبيعة” الحزب بل وتقويلا له ما لم يقله عن نفسه. فبالعودة للنّصوص التّأسيسيّة لـ”التيّار الدّيمقراطيّ” وتحديدا نصّ “الهويّة والخطّ السّياسيّ” لا نجد سوى المبدأ-الخيار: “حِزْبُنَا غَيْرُ مُعَادٍ لِلْإِيدْيُولُوجِيَّاتِ وَالأَفْكَارِ الـمُخَالِفَةِ التِي تَتَبَنَّاهَا الأَحْزَابُ وَالـمُنَظَّمَاتُ الأُخْرَى مَا دَامَتْ مُلْتَزِمَةً بِالدُّسْتُورِ وَالقَوَانِين، وَهْوَ يَتَمَيَّزُ بِالتَّسَامُحِ وَعَدَمِ رَفْضِ الآخَرِ” وذاته منقول بالفصل5 في “الباب الثّاني” من نصّ “النّظام الأساسيّ”. ولا حديث في المبدأ-الخيار/الفصل عن أنّ التيّار غير أيديولوجيّ وإنّما بالعكس هو غير معاد للأيديولوجيّات، فقط الاشكال في علاقة بـ”الصّراع الأيديولوجيّ” لدى “بعض الأحزاب السّياسيّة” والذي “زاد الوضع تأزّما…” بمقتضى “البيان التّأسيسيّ” الذي يؤكّد على “انّ المشهد السّياسيّ أصبح قائما على الاختلاف الإيديولوجيّ الذي عوض أن يكون عنصر إثراء للفكر السّياسيّ، أصبح مكرّسا للصّراع والتّطاحن من أجل السّلطة، ومفجّرا للحقد والكراهيّة، ومؤذنا بتفاقم ظاهرة العنف المعنويّ والماديّ على أساس الاستقطاب الثّنائيّ، أو التّكفير، أو التّخوين“.

هكذا نرى إمكانيّة تنزّل الأيديولوجيا في مقام المدح إذ يمكن “أن يكون عنصر إثراء للفكر السّياسيّ”.. في “النّظام الأساسيّ” يتحدّث الفصل8: “يفقد صفة العضويّة: كلّ من قرّر الحزب رفته لمخالفته مبادئ الحزب…” ومن المعروف بالضّرورة أنّ “المبادئ” بعض مكوّنات “الأيديولوجيّ” ضرورة. وينصّ االفصل7 من “النّظام الدّاخليّ”: “على المنخرط في الحزب: …أن يسعى دائماً إلى تقوية الانسجام وروح التّضامن بين مناضلي الحزب وينأى عن كلّ ما من شأنه أن يخلق الفئويّة أو النّعرات الإيديولوجيّة…” والواضح أنّ الإشكال ليس في الأيديولوجيا وإنّما في “النّعرات”.

هكذا نرى أنّ النّصوص المركزيّة الخمسة: “البيان التّأسيسيّ” و”الهويّة والخطّ السّياسيّ” و”النّظام الأساسيّ” و”النّظام الدّاخليّ” لم يرد فيها أنّ التّيّار الديمقراطيّ غير أيديولوجيّ فقط معارض للأيديولوجيا متى تحوّلت إلى “النّعرات” ووسيلة لـ”الصّراع” و”التّطاحن” مفجّرة لـ”الحقد” و”الكراهيّة” ومؤذنة بتفاقم ظاهرة “العنف المعنويّ والماديّ” و”التّكفير” و”التّخوين” وبالمقابل لا اشكال لقبول اختلاف الأحزاب المغايرة أيديولوجيّا فقط “ما دامت ملتزمة بالدّستور والقوانين…” بل ويمكن الدّخول معها في تحالف وتنسيق بشروط منها أ”لا تتبنّى أفكارا مخالفة لقيم الجمهوريّة”!.

فوزي الشّعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *