الإثنين , 14 يونيو 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / “حفريّات في الهويّة التيّاريّة”: اجتماعيّ ديمقراطيّ

“حفريّات في الهويّة التيّاريّة”: اجتماعيّ ديمقراطيّ

بيّنا في المقالات السابقة خطأ مقولة رائجة من أنّ “التيّار الدّيمقراطيّ حزب غير أيديولوجيّ” مؤكّدين على أنّه “غير معاد للأيديولوجيّات” وأنّ له هويّة هي أيديولوجيته لا تجعل منه “حركة أيديولوجيّة” (مقال: التّيّار الدّيموقراطي والأيديولوجيا).. وكشفنا عن أنّ الحامل الأيديولوجيّ الأوّل للتيّار وركنه الرّكين هو “القاسم المشترك” الذي يُفترض أنّ مختلف الفرقاء السّياسيّين أجمعوا عليه: “الدّستور” و”قيم الجمهوريّة” و”القانون” (مقال: في البدء كان المشترك!).. وأكّدنا على تخطّي التيّار للمشترك إلى ما يمايزه عن غيره ويميّزه واعتبرنا أنّ استعاضة الصّراع الهوويّ بين “الدّين” و”الحداثة” بجدل قيمتيْ “المساواة” و”الحريّة” ما يؤسّس لذاتيْ “الإنسان” و”المواطن” (مقال: المختلف بعد المؤتلف!)

مُجمل الحوامل الأيديولوجيّة السّبعة آنفة الذّكر: 1.”الدّستور”، و2.”قيم الجمهوريّة”، و3.”القانون”، و4.”المساواة”، و5.”الحريّة”، و6.”الأنسنة”، و7.”المواطنة” نراها أبعادا لما يعرّف به الحزب ذاته بنصّ “الهويّة والخطّ السّياسيّ” والفصل5 من “النّظام الأساسيّ”: “التيّار الدّيمقراطيّ حزب اجتماعيّ ديمقراطيّ”.. وفي “بيان الانصهار” بتاريخ15 أكتوبر2017 تمّ موقعة الحزب ضمن “وسط اليسار” والقوى الـ”تقدميّة”.. أمكن في ضوء تلك التّنصيصات واعتمادا على مصطلحات المتكلّمين في مبحث “التّوحيد” القول: أنّ “ذات” التيّار هي: “1. اجتماعيّ ديمقراطيّ 2.وسط اليسار 3.تقدّميّ” أمّا “صفات”ـه فما سبق ذكره من محامل سبعة و”تلك عشرة كاملة”!

“التيّار الدّيمقراطيّ حزب اجتماعيّ ديمقراطيّ” هكذا تحدّثت وثيقة “الهويّة والخطّ السّياسيّ” مقرّرة في مفتتحها. ولأنّ المؤسّس منزّه عن العبث فحين تخيّر لفظا بدل آخر وصيغة عوض أخرى فقطعا يقصد معنى محدّدا لذا نلاحظ أنّ المؤسّس استعمل الألفاظ/التّعبيرات التّالية: 1. “اجتماعيّ” (Social) بدل “اشتراكيّ” (Socialiste)، 2.”اجتماعيّ ديمقراطيّ” ((Social-démocrate بدل “ديمقراطيّ اجتماعيّ” (Démocrate-socialiste)، 3. “اجتماعي ديمقراطي” بدل “اجتماعي” و”ديمقراطي” (Social et Démocrate). إنّ في دمج مصطلحي “الاجتماعيّ” و”الدّيمقراطيّ” في مركّب “الاجتماعيّ الدّيمقراطيّ” تخطٍّ لأدلوجتيْ “الاشتراكيّة” (Le Socialisme) و”الرّأسماليّة” (Le Capitalisme) بتبنّي واقعة/قيم “الاجتماعيّ” (Le Social) بدل الأولى، وفلسفة/قيم “اللّيبراليّة” (Le Libéralisme) عوضا عن الثّانية.

نلحظ 1. وصل “العدل” الذي في “الاجتماعيّ” بـ”الحريّة” التي في “الدّيمقراطيّة” دمج المصطلحين في واحد دون فصل بـ”واو المعيّة” (اجتماعيّ ديمقراطيّ وليس اجتماعيّ وديمقراطيّ)، مع 2. أسبقيّة مفاهيميّة لـ”العدل العامّ” على “الحريّة الخاصّة” (اجتماعيّ ديمقراطيّ وليس ديمقراطيّ اجتماعيّ). نلاحظ أنّ لائحة “الهويّة والخطّ السّياسيّ” تميّز بين “الحقوق” و”الحرّيات” في تنصيصها: “يرى الحزب أنّ الدّولة الدّيمقراطيّة تضمن لمواطنيها ممارسة حقوقهم وحرّياتهم…” وأزعم أنّ “العدل الاجتماعيّ” في “الاقتصاد السّياسيّ” هو “الحقّ الأعظم” الذي وحده المرجع الذي يُقيِّد ولا يُقيَّد.. “العدل الاجتماعيّ” بما هو “الحقّ الأعظم” نجد مرجعه في “المقدّمة” حيث تمّ التّأكيد على أنّ “المال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل” إذ “العدل أساس العمران”، و”العمران/العمرانيّ” في المصطلح الخلدونيّ هو “الاجتماع/الاجتماعيّ”!

يُطالب الفرقاء بتغيير المنوال التّنمويّ وهو شعار دون مضمون واضح إذ يرى البعض مضمونه في تفعيل “اقتصاد السّوق” أو “الاقتصاد الحرّ” الرّأسمالي ويرى آخرون مضمونه في “الاقتصاد المخطّط مركزيّا” الاشتراكيّ. و”التّيار الدّيمقراطيّ” يرى مضمون المنوال التّنمويّ في “الاجتماعيّة الدّيمقراطيّة” وهي تعديل في “السّوق الحرّة” (Libre marché) الرّأسماليّة و”الاقتصاد المخطّط مركزيّا” (Planification impérative de l’économie) الإشتراكيّ. وبشيء من التّجوّز أرى التيّار يتبنّى الاقتصاد المخطط لا مركزيا أي مخطّط تشاركيّا أو ديمقراطيّا، حيث يتمّ فيه توزيع سلطة صنع القرارات على عملاء اقتصاديين متعدّدين.. “توزيع” يُنتج الثّروة و”تخطيط” يحقّق استحقاقات الثّورة في تحقيق عموم رمزيّة الأوّل في شعارها المركزيّ: “خبز/شغل…”  (خبز/شغل وحريّة، وكرامة وطنيّة) ومقتضيات دستور الثّورة وعمادها الفصل 12: “تسعى الدّولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والتّنمية المستدامة، والتّوازن بين الجهات، استنادا إلى مؤشّرات التّنمية واعتمادا على مبدأ التّمييز الإيجابيّ. كما تعمل على الاستغلال الرّشيد للثّروات الوطنيّة”. “التّوزيع”-“التّخطيط” مبدأ صريح في لائحة “الهويّة والخطّ السّياسيّ” النّاصّة على أنّ الحزب “يكفل المبادرة الخاصّة والملكيّة الفرديّة والمنافسة الحرّة مع اضطلاع الدّولة بدور تعديليّ وبالاستثمار العموميّ والمحافظة على الملكيّة العموميّة للقطاعات الحيويّة وتأهيل القطاع العامّ” ما من شأنه إقامة “نظام يقوم على العدالة الاجتماعيّة والتّوزيع العادل للثّروة، ويضمن مجانيّة التّعليم للجميع والتّغطية الصّحيّة لكلّ الفئات”.. الدّور التّعديليّ تدخّل في آليّات السّوق الحرّة الرّأسماليّة لأنّ التيّار “يؤمن بأنّ للحريّات حدودا ضروريّة في المجتمعات الدّيمقراطيّة توضع لحماية حقوق الغير والأمن العام والصّحة العامّة”..

تبنّي “الاجتماعيّ” بدل “الاشتراكيّ” جنّب التيّار الدّيمقراطيّ خوض معارك استنزاف تتعلّق بـ”العقل النّظريّ” (la raison pure) الذي هو لعبة الحركات الأيديولوجيّة من قبيل علاقة بـ”اشتراكيّة” ما، في ظلّ تعدّد الاشتراكيّات من “الاشتراكيّة الفابيّة” (Le socialisme fabien) المرتبطة بالحركة النّقابيّة، إلى “الاشتراكيّة العلميّة” (Le socialisme scientifique) الموصولة بالماركسيّة، فضلا عن اشتراكيّات أخرى مرتبطة بنزعات قوميّة عبّر عنها مثلا العروبيّ النّاصريّ عصمت سيف الدّولة في كتاب “أسس الاشتراكيّة العربيّة”، أو برؤى دينيّة عبّر عنها الإخوانيّ الأزهريّ مصطفى السّباعي في كتاب “اشتراكيّة الإسلام”. في حين خوض الحزب السّياسيّ في الأيديولوجيّ يتركّز في أقصاه على مُسمّى “العقل العمليّ”  (la raison pratique)و”الاجتماعيّ” مرتبط بذاك العمليّ والواقعيّ والمعيش.

فوزي الشّعباني

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *