الخميس , 19 يوليو 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / تونس والحلقة الجهنمية: الأزمة تغذّي الأزمة وسبل التجاوز

تونس والحلقة الجهنمية: الأزمة تغذّي الأزمة وسبل التجاوز

تعيش تونس خلال هذه المرحلة عصيبة أزمة خانقة، وإن كان منطق التاريخ وسيرورة الوجود البشري مرتبط في جزء منه بدورية الأزمات وتواترها في فترات محدّدة في الزمن، وباعتبار أنّ كل الأزمات هي ظواهر متعدّدة الجوانب سياسية واجتماعية وثقافية… فإنّ تأثيراتها وتداعياتها تكون مؤثّرة في مختلف المستويات. وإذا اعتبرنا أن الأزمات التي تعيشها الشعوب مثلها مثل باقي الظواهر تمرّ بأطوار تماهي تتطور الكائنات الحية، فإنّ مسارها تكتنفه هزّات وتراجعها في مختلف هذه الأطوار من طور النشأة إلى طور النمو ثم طور النضج وهي أخطر الأطوار لتنتهي بطور الانحسار والاضمحلال. بالتوازي تعمل قوى الردّة عادة للحفاظ على مواقعها ومصالحها على تغذية الأزمات فعادة ما تقوم السلطة سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية بافتعال أزمات ظاهرة، إمّا لتغطية الأسباب الهيكلية أو لإلهاء الشعوب عن قضاياها الحقيقية أو لتحسين شروط التفاوض مع الأطراف المواجهة لها.
وبالنسبة إلى الواقع التونسي الحالي، يبدو أنّ نشأة الأزمات وتواترها – وإن انطلق من عهد المخلوع خاصة – فإنّ الأطراف المكوّنة للمشهد السياسي والثقافي قد عملت على الاستثمار فيها. ذلك أنّ الأزمة الهيكلية التي تعيشها بلادنا قد طفت على السطح وبارزة للعيان وتحوّلت إلى موضوع نقاش علني بعد أن كانت خفية منذ 2011، وانطلقت في شكل إحساس مبهم وعلامات ومؤشرات غير واضحة، هذا رغم الاتفاق على تشخيصها والمعلّقة بسوء التنمية واحتداد التناقضات الاقتصادية وتنامي الفوارق الاجتماعية وتفاقم التفاوت الجهوي، علاوة على المسألة الاعتداء السافر على الحقوق والحريات في ظل نظام استبداد مقابل المطالب الشعبية المتزايدة بالحق في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
إلاّ أن سوء التعامل مع الواقع الجديد في طور النشأة والظهور أدّى إلى تعميق المشاكل المعيشة وجعلها تنمو وتستفحل، وهو الطور الثاني الذي يرتبط خاصة بسوء إدارة الأزمة الموروثة من قبل أصحاب القرار أنذاك، بل أنّ مرحلة ما بعد الثورة وفّرت أرضية ملائمة لقوى الثورة المضادة لتفتعل أزمات جديدة وتكون بمثابة المحفّزات لضرب المسار الديمقراطي الوليد، واستنجدت في ذلك بقوى الردّة الخارجية وأحكمت الاستثمار في الظاهرة الإرهابية والاغتيالات السياسية، كما أثارت قضايا متعلّقة بالهوية لم تكن مطروحة أصلا واحتدّ النقاش حول مواضيع ثقافية هامشية. وبالنسبة إلى الرأي العام التونسي زاد احساسه بتواتر أزمات تمثّل بعضها ولم يتمثّل البعض الآخر. في المقابل أصبحت السلطة السياسية القائمة غير قادرة على انكار تفاقم المشاكل والصعوبات، دون القدرة على أخذ القرار لحلّها بتعلاّت عدّة. وعلى هذا النحو ساهمت سياسة الأيادي المرتعشة من جهة، وتورّط بعض القائمين على الدولة في شبهات فساد وتجاوزات من جهة ثانية في تكبيل البلاد. وقد أفضى لذلك إلى تفاقم هذه الأزمة وبلوغها طور النضج. وتعتبر هذا الطور الأخطر والأشدّ وطأة. وذلك باعتبار ارتباطه في تونس ولاسيما بعد انتخابات 2014 وتأسيس توافق مغشوش يعبّر عن عمق التناقض الذي تعيشه تونس بعد ثورة على نظام فساد واستبداد استنزف شعب تونس ماديا وسياسيا ومعنويا. وقد برهنت المنظومة الحاكمة المنبثقة عن وثائق قرطاج على عجزها على إدارة الخطر المحدق والذي في جزء منه هي المتسبّبة فيه نظرا لغياب رؤية واضحة وبرنامج اقتصادي واجتماعي ناجع وعملي، وبفعل قصورها على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإيقاف النزيف الاقتصادي، بل أنّ الإجراءات المتخذة زادت في تدهور الأوضاع وتفاقمت تبعا لذلك حالة الاحتقان الاجتماعي، وتتالت الإخفاقات وانسدّت الآفاق. وذلك إمّا بسبب عجز الفريق الحاكم الذي يبدو أنّه يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الكفاءة في التسيير، أو بسبب الخضوع لإملاءات وضغوطات خارجية وداخلية مصدرها مراكز نفوذ تعمل على فرض خيارات لاوطنية ولاشعبية في نفس الوقت الذي تعمل فيه على نسف مسار العدالة الانتقالية لمنع المحاسبة والمصالحة والكشف عن آليات عمل منظومة الفساد التي يتمعّشون منها.
ويمثّل طور عمق الأزمة مجالا خصبا للقوى التدميرية سواء منها المرتبطة بمصالح اقتصادية أو أجندات أجنبية أو أطراف غير مؤمنة بالثورة وبالديمقراطية. وتعمل هذه القوى التدميرية عبر أساليب عملها القذرة إلى الاستثمار في الأزمة الهيكلية ومزيد تغذيتها وتخصيبها، من ذلك مثلا الاستثمار في الإرهاب عبر استغلال عملياته الإجرامية لتأليب الرأي العام وحشد القوى الشعبية ومقايضة الأمن بالحقوق والحريات، أو الاستثمار في فقر الفقراء وتجييش الشارع نحو مطلبية مجحفة وإن كان لها ما يبرّرها، أو الزجّ بالعقول البسيطة في صراعات هووية ونقاشات عقيمة لن تزيد إلاّ في تشتيت المشتت وتمزيق الممزّق.
وما تعيشه بلادنا هذه الأيام هو صورة لعمق أزمة متعدّدة الجوانب عمل الائتلاف الحاكم والأطراف المرتبطة به إلى استثمارها بأشكال متعدّدة كل من موقعه حسب مصالحه والرهانات التي يطرحها على نفسه والتحديات التي يطمح لكسبها.
وفي وضعية الحال، أمام تونس خياران، إما الاتجاه نحو صدام مدمّر يأتي على الأخضر واليابس وتخرج فيه كل الأطراف المتسببة في الأزمة خاسرة، ولكن سيكون الخاسر الأكبر دائما الشعب المفقّر، وحينها ستنزلق البلاد نحو المجهول لا قدر الله، وهو الفضاء الذي تنتعش فيه قوى الردّة والقوى المعادية للحرية والديمقراطية ومن خلفها التنظيمات الإرهابية والمجموعات التي تقتات من التهريب. أو أن تحكم المجموعة الوطنية وقواها الحيّة حسن إدارة وتستنبط الحلول لوقف النزيف، ثم العمل على وضع برنامج عمل قريب ومتوسط وبعيد المدى يبعث الأمل في التونسيين ويجعلهم يحلمون بواقع أجمل قابل للتحقيق بعيدا عن بيع الأوهام والاتجار بحلم أجيال في نضالهم من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة.
والأكيد أن بمجرّد الانطلاق في مشاريع إصلاح حقيقية ستبدأ الأزمة الهيكلية في الانحسار والتراجع، لتؤسس لمشروع جديد بطبقة سياسية وثقافية جديدة تغلّب المصلحة الوطنية وتعمل على تحقيق الحدّ الأدنى الممكن من المطالب الشعبية المتعلّقة بالحياة اليومية وضمان أمن الناس واستقرارهم. وعندها تفقد الأزمة الهيكلية بشكل كامل العوامل التي انبنت عليها وتكون القوى الجديدة قادرة على تحييد قوى الردّة المتسبّبة فيها.
إنّ الشروط الموضوعية للخروج من هذا الواقع المأزوم متوفّرة ببلدنا شرط أن يكون يرسم الجميع هدفا مشتركا نعمل جميعا على تحقيقه.
رضا الزغمي.

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *