الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر : من الاختلاس إلى الحماية ، هل يعيد التاريخ نفسه ؟

تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر : من الاختلاس إلى الحماية ، هل يعيد التاريخ نفسه ؟

يقول العلامة ابن خلدون إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار ولكن في باطنه نظر وتحقيق. نفتح اليوم صفحة من تاريخ تونس ما بين منتصف القرن التاسع عشر وقيام الحماية الفرنسية بتونس وما رافقها من سوء تصرف وإختلاس ومديونية لأخذ العبرة وإستخلاص الدروس وإحياء الذاكرة.

الاختلاس والنهب

في البداية يجب التذكير ببعض المراجع التاريخية المهمة عن شخصيات لا يعرفها أغلب التونسيين تسببت في أضرار كبيرة للدولة التونسية وهم :
– مصطفى خزندار : الوزير الأكبر بين 1855 و 1873
– محمود بن عياد : شغل قابض المال للخزينة بين 1847 و 1952
– نسيم شمامة : تونسي من أصل يهودي تولى منصب قابض المال للخزينة بين 1852 و1864
– مصطفى بن اسماعيل : الوزير الأكبر بين 1878 و 1881

وتعد أكبر عمليات إختلاس أموال الدولة التونسية في تلك الفترة التي قام بها محمود بن عياد قابص الخزينة في 1952 وفراره إلى فرنسا ب 60 مليون فرنك وهو ما يعادل 4 مرات ميزانية الإيالة. وتبعه في ذلك خلفه نسيم شمامة في 1864 وفر هو الأخر بمبلغ قدره ما بين 20 و30 مليون فرنك. وقد تمت هذه العمليات بغطاء من الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي أكتشف أمره بالحجة الدامغة في 1973 وعزل.

ومن بين الشخصيات الإصلاحية التونسية التي قاومت عصابة الفساد والنهب نجد خير الدين التونسي الذي كلفته دولة البايات بتتبع محمود بن عياد في فرنسا ومحاولة استرداد الأموال التونسية ونجح في استعادة 24 مليون فرنك وعين بعدها وزيرا أكبر. كما نجد كذلك الجنرال حسين مؤسس المجلس البلدي الأول في تونس الذي تتبع نسيم شمامة أمام المحاكم الإيطالية محاولا إعادة ما اختلسه.

وألف الجنرال حسين إثر خروجه من تونس بعد إستشراء الفساد بها تحت حكم الوزير الأكبر مصطفى خزندار ، كتابا تحن عنوان “حسم الالداد فى نازلة محمود بن عياد” كشف فيه النقاب عن العبث المالي والنهب المقنن الذي كان يمارس في تونس وهذا مقطف من الكتاب :
“أما سبب خروجي أنا من بلادي أو نفي منها كما شئت فهو أني كنت من الذين ينتقدون على شريكك الوزير المعزول مصطفى خزندار وينكرون سوء تصرفاته في الإيالة وإدارته في ماليتها ومن الذين كانوا يتمنون مسك يديه عن أذى البلاد والعباد وكنا استرحنا برهة من الزمان تحت ظلال عهد الأمان، ثم لما أغلقت في أجوهنا أبوابها أبت نفسي أن ترجع القهقرة وتثني عنانها لوراء. فاستعفيت من خدمة الحكومة من جملة من استعفى حيث رأيت نفسي عاجزة عند دفع مضرة عن بلادي أو جلب مصلحة لها، ولا يحسن بذي مروؤة أن تكون خدمته في دولته لمجرد مصالحه الذاتية والحال أنه منعم عليه بصحة البدن. فخرجت من بلادي وطفت الممالك وما وراء البحر المحيط لعلي أتسل برؤية مملكة أو إيالة أخرى جرى عليها مثلما جرى على إيالتنا المسكينة فما عثرت لعمري على مملكة قاسمتنا همومنا ولا سمعت بأشخاص فعلوا بأهالي إيالتهم مثلما فعلتم أنتم فهذا أمر سفري.”

من المديونية إلى الحماية

في سنوات 1859-1860، رفّـع مصطفى خزندار ومحمد الصادق باي في النفقات العمومية والتداين الداخلي حيث بالغا في استيراد السلع من الخارج وكذلك من خلال تشييد إقامات فاخرة لقنصليْ فرنسا وبريطانيا : وهي نفقات لم تخدم بتاتا مصالح السكان. وارتفع الدين العام الداخلي بنسبة 60٪.

التجأت الدولة التونسية لأول قرض خارجي سنة 1863 وبدأت العروض تتهاطل عليها من البنوك الفرنسية والبريطانية برعاية من القناصلة الغربيين وتم الاتفاق مع اميل ايرلانجي، وهو صاحب مصرف أصله من مدينة فرانكفورت الالمانية ومستقرّ في العاصمة الفرنسية وكانت هذه العملية عملية تحيل كبرى فمن أجل الحصول على حوالي 30 مليون فرنك، تعهدت الحكومة التونسية بسداد 65.1 مليون فرنك على 15 سنة وفقا لبحوث أجراها مراقب المالية الفرنسي، فيكتور فيلي.

كان من المفترض أن يتمّ توظيف هذا القرض الخارجي في إعادة هيكلة الديون الداخليّة والتي تقدّر بـ 30 مليون فرنك فرنسي ولكن في ذات الوقت الذي تم فيه تسوية السندات القديمة، أصدرت السلطات تساكر جديدة (أو رقاع خزينة) بمبلغ مساو. وهذا بالضبط ما يقوله مراقب المالية العمومية الفرنسي فيكتور فيلي :
“في نفس الوقت الذي تتمّ فيه تسوية السندات القديمة في مكاتب ممثّل شركة ايرلانجي في تونس،…يقوم وسيط الحكومة (م. جوتيريز) المقيم في الجوار باسترجاع المال من العموم الذي قبضوه سالفا وذلك مقابل تساكر جديدة صادرة بنسبة فائدة تقدّر بـ 91٪. وبفضل هذا التسديد الكوميدي، ارتفعت المديونية بكل بساطة بـحوالي 15 مليون. وتم تحويل أرباح بيع هذه التساكر الجديدة إلى خزائن الوزير الأكبر وكبار الشخصيات والمقيمين الأوروبيين الأثرياء.”

نظرا إلى أن قرض 1863 لم يحسن الوضعية المالية للبلاد فقد اختار الباي ووزيره الأكبر الهروب إلى الأمام فكانا قد عقدا اتفاقا مع ايرلانجي لإبرام قرض جديد في مارس 1865. فاستدانت تونس بـ 36.78 مليون فرنك بشروط أسوأ بكثير ومخزية مقارنة بقرض 1863. وبذلك يبلغ مجموع ما يجب تسديده في 15 سنة 75.4 مليون فرنك.
لقد وضعت القروض المتراكمة طيلة السنوات 1863 – 1865 البلاد التونسية تحت رحمة الدائنين الخارجيين ولتسديد الديون التجأ الباي ووزيره الأكبر إلى الرفع في الجباية التي أدت بدورها لقيام ثورة علي بن غداهم في نهاية سنة 1864 والتي وجهت بموجة قمع.

وأدت المديونية إلى وضع تونس في سنة 1969 تحت رقابة كومسيون مالي دولي يراقب المالية التونسية تمت صياغة خطوطه العريضة من طرف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية المركيز موستيي في جانفي إذ صرّح :
“يبدو إذن أنّ جهودنا يجب أن تكون أهدافها، قبل كل شيء، إذا كان ذلك ممكنا ضمان الإدارة السليمة للموارد التي تعهدت بها حكومة الباي وذلك بالتمكّن من إقامة رقابة جدّية على عائدات الجباية التي أصبحت اليوم في تحت تصرف أيادي لا كفاءة لها أو غير وفية ويجب علينا أن نقطع خطوة كبرى إلى الأمام نحو الهدف الذي نسعى إليه. وفي صورة إذا ما تمّ قبول تطبيق هذا المبدإ فإنّه يمكننا أن نعهد بالعلاج إلى كومسيون تكون تونس مقرّ”.

وأمام إخفاق الكومسيون المالي اتجهت تونس رويدا رويدا نحو التدخل الخارجي المباشر وانتصاب الحماية في 1881.

إن الأخطر في هذه المعطيات التاريخية التي قد يعتبر البعض النبش فيها غير ذي فائدة أو جدوى هو أنها تتشابه مع ما نعيشه اليوم من سوء تصرف ونهب وسرقات وتبديد للمال العام في غير محله وإرتفاع المديونية الخارجية والخضوع إلى إملاءات خارجية بتسميات جديدة وهي إن لن تؤدي لإستعمار مباشر كما حصل في 1881 فإنها ستؤدي للوصاية على تونس تحت مسميات أخرى، فما أشبه الأمس باليوم.

وللحديث بقية…

عادل علجان

مراجع :
– المديونية : السلاح الذي مكن فرنسا من السطو على تونس ، الشبكة الدولية من أجل إلغاء الديون غير الشرعية
– مصطفى خزندار رجع ، لزهر العكرمي
– مراجع مختلفة…

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *