الأحد , 22 أبريل 2018
الرئيسية / مقالات و آراء / مقالات / تونس … دولة “رعاية إجتماعية” من ورق

تونس … دولة “رعاية إجتماعية” من ورق

أًطلقت منذ أيام حملة “فاش تستناو؟” الشبابية في جل ربوع البلاد احتجاجا على قانون المالية لسنة 2018 وما رافقه من قرارات اقتصادية صادمة ومؤلمة، من خلال رفع الضريبة على القيمة المضافة واستحداث ضرائب أخرى. وقد انجر عن ذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية ومشتقات البترول في إطار سياسة متواصلة منذ سنوات وضمن اتفاقات سرية أًبرمت مع المانحين الدوليين، تشمل هذه الاتفاقات جل القطاعات الحيوية ومجالات التدخل الاقتصادي والاجتماعي.
وذهب كثير من الساسة والخبراء الاقتصاديين إلى أن المؤسسات المالية الدولية تحـاول فـرض برنـامج إصـلاح هـيكلي مدمر للاقتصـاد التـونسي، سيكون له تبعات اجتماعيّة خطيرة على مستوى عيش المواطنين، إذ أنه يقضي بإلغــاء صـندوق الدعـم طيلة السـنوات القادمة والتـرفيع في الضـغط الجبائي، إضـافة إلى مراجـعة مزايا نظام التقاعد وصنـاديق التـغطية الاجتـماعيّة ورعاية الفئات الفقيرة.
ويستذكر التونسيون أن الصندوق الدولي كان فرض على بلادهم ذات يوم من سنة 1986 برنامج إصلاح اقتصادي بموجبه تمّت خصخصة القطاع العام وخلق الأشكال الهشّة للتوظيف على غرار المناولة و الآليات طبقها النظام السابق بحرص شديد، مما خلق تباينا في المستوى المعيشي بين الفئات الاجتماعيّة والجهات.
فهل إنّ تطبيق هذا البرنامج القديم مجددا في تونس سيقضي على تحقيق حلم دولة للرعاية الاجتماعية ؟
ألم تكن ثورة اجتماعية؟
صار الاستحقاق الاجتماعي الديمقراطي للثورة التونسية مجرد شعار رفع وتُركت مطالبه جانبا… فالطيف الواسع من الشعب التونسي لديه قناعة راسخة أن الغاية من الثورة لم تكن أبدا منح بضع مئات الأحزاب تراخيص العمل السياسي القانوني وخوض لعبة الانتخابات بهدف التراقص على كراسي الحكم و تأجيج الصراع الهووي بين الإسلاميين والعلمانيين، المطالب الشرعية للثورة كانت إنهاء حالة التفاوت التنموي المجحف بين الجهات ومعالجة مشكل البطالة وتشغيل الشباب، ومعالجة أزمة التعليم بما تتناسب الاختيارات التربوية مع مطامح الشباب الاجتماعية، وتحسين ظروف عيش الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى التي اقتربت من حافة الفقر و التي كسر من أجلها الشباب هذه الأيام حاجز الصمت و نزلوا للشارع مجددا لأنهم أيقنوا أن حكامنا الجدد يجتهدون في إضاعة دور الدولة الاجتماعي .
الدور الاجتماعي للدولة
إن الحديث عن الدور الاجتماعي للدولة يأتي هنا باعتباره حديثًا عن ما “ما يجب أن تقوم به مؤسسات الدولة من تدخلات لحماية مواطنيها اقتصاديًّا واجتماعيًّا من خلال وضع السياسات وسنِّ التشريعات اللازمة لتنظيم قوى السوق وإصلاح الاختلالات الناجمة عن عملها لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة وضمان الاستقرار و ذلك بتوفير شبكات الأمن الاجتماعي ضد المخاطر والأمراض كالفقر والتهميش والفوارق الجهوية وتوفير المواد المدعمة والخدمات العامة والحد من الآثار السلبية للعولمة والنيوليبرالية الموحشة على الفقراء “.
فالفقر موجود في تونس منذ زمن ليس بقريب وأسبابه متعددة ومتشابكة و تقدر نسبته العامة المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية خلال سنة 2014 ب 24% خولت لـ 250 ألف عائلة الانتفاع بالمساعدات الاجتماعية والمنح المرصودة من قبل الدولة ونلفت الانتباه الى أنّ هذا الرقم يمثل 90% من نسبة العائلات الفقيرة المقدرة لدى المعهد الوطني للإحصاء وهنا يطفو خلاف غير مفهوم وغير مبرر لتأثيراته السلبية في سياسة الدولة بين وزارة الشؤون الاجتماعية والمعهد الوطني للإحصاء حول تحديد نسبة الفقر وتفاوتها بينهما ذلك أنّ تقديرات المعهد الوطني للإحصاء مبنية على “المنهجية العلمية” في حين تقول وزارة الشؤون الاجتماعية إنّ تقديراتها مبنية على معايير متبعة في برامجها.
يذكر أن المعهد الوطني للإحصاء يقسم الفقر في تونس حسب تصنيفات البنك الدولي الى فقر مدقع ونسبته قدرت سنة 2012 بـ 3.5% أضف إليه أكثر من 700 ألف شخص ممن ينتمون إلى الفئات الفقيرة لتكون النسبة قد تجاوزت 11.5% أي أنّ ما يزيد عن مليون وربع مليون تونسي يعيشون تحت خط الفقر، و لكن المفاجأة الصادمة أن آخر الدراسات التي أنجزها المعهد حول الفقر متعدد الأبعاد في تونس (لم يتم الكشف عنها رسميا إلى حد الآن و تحصّل موقع نواة للصحافة الاستقصائية على نسخة منها و تم عرضها في ندوة دولية حول موضوع الفقر متعدد الأبعاد نظمت في مدينة “أكابولكو” بالمكسيك يومي 8 و9 نوفمبر 2016 ) توصّلت إلى أن نسب فقر وطنية تقدر بـ28,97 %، ويأخذ هذا المؤشر بعين الاعتبار أربع أبعاد تتمثل في الصحة والتعليم والشغل وظروف العيش، وكل واحد من هذه الأبعاد يتم قياسه حسب جملة من المعايير.
فما هو مصير هذه الملايين من المواطنين تحت خط الفقر في ظل الحديث عن الإصلاحات المفروضة من صندوق النقد الدولي؟

الرعاية الاجتماعية في ظل شروط صندوق النقد الدولي؟
رغم الحديث عن تعدد البرامج الاجتماعية لحكومات نصف قرن، ولكنها لم تستطع أن تخفف من سلبيات السياسة الاقتصادية التونسية في تهميش قطاعات واسعة من السكان، وإذا كانت قد قامت بتمويل برامج أمن اجتماعي، فإن هذه البرامج لم تقدِّم سوى الحدّ الأدنى من الدعم من خلال عنايتها إلى إبقاء المحرومين على قيد الحياة فالرعاية الاجتماعية منذ إقرارها بعيد الاستقلال تمثل وسيلة لتخفيف المعاناة على الطبقات المحرومة خاصة في فترات التقلبات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، وتكون في كثير من الأحيان مساعدات رمزية ضمن برامج مسقطةـ بل أن الكثير من المتابعين ربطوا بين هذه المساعدات وخاصة منحة العائلات المعوزة و العلاج المجاني بالفساد و المحسوبية، وهو كلام منطقي، إذا تذكرنا ممارسات النظام السابق في ربط إسناد هذه المساعدات بالولاء الحزبي للتجمع المنحل، بل أن الكثير انتفع بالتشغيل عن طريق هذه المنظومة دون وجه حق..
ولكن رغم الجهد ومساعي الإصلاح من قبل المتدخلين في القطاع لتكون البرامج موجهة بالأساس لمستحقيها، فإنّها تبقى دائما دون المأمول، بل أنّها برامج مفرغة حتى وإن تغيرت مسمياتها، وأجزم أنها لن تستطيع مجابهة الإصلاحات الجديدة المفروضة من صندوق النقد الدولي، باعتبارها شروط قاسية على تونس تتجه نحو التخلي عن الدعم المالي للسلع الضرورية في حياة المواطنين كالخبز والسميد والشاي والسكر والزيت والمشتقات النفطية وغير ذلك من السلع التي تشكل القوت اليومي للناس.
كما ستلزم هذه الإصلاحات بتقليص الإنفاق على القطاعات الخدماتية كالصحة والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي وبالمقابل زيادة الضرائب على الخدمات اليومية كالكهرباء والمياه والنقل والاتصالات وما شابهها.
إنّ صيحة الفزع التي أطلقها الشباب اليوم من خلال تحركاتهم في أرجاء الوطن، لا أعتقد أنها ستًفيق النظام الساقط من غيبوبته و هو الفاعل الذي تتنازعه قوى تتقارَب أحيانًا وتتعاند أحيانًا أخرى، ولكنها في كل الأحوال تضع المواطن البسيط بين شقي رحى … فهي تطمع دوما لتضحيات جسام من الطبقات الفقيرة والمتوسطة لعبا على وتر “التضحية من أجل الوطن”، و كأنها قدر من الإله و فاتهم أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به بلادنا وعلى عكس ما يروّج له خطابهم الرسمي، ليس وليد الظرف الراهن فقط (الوضع الهش وعدم الاستقرار وطبيعة المرحلة الانتقالية…) بل هو نتيجة مباشرة لخيارات اقتصادية واجتماعية لم تقطع في جوهرها مع الخيارات النيوليبرالية و منوال التنمية الفاشل ومع واقع الارتهان لمصالح الرأسمال الاستعماري العالمي والحفاظ على مصالح الطبقات المحلية المرتبطة به.
عصام الدين الراجحي عضو المجلس الوطني للتيار الديمقراطي

المراجع:
-1 -دور دولة الرعاية الاجتماعية في الحد من آثار الفقر د. علاش أحمد.
-2 دليل الإحصائيات الاجتماعية 2014 – وزارة الشؤون الاجتماعية –تونس
3- دولة الرعاية الاجتماعية في القرن العشرين.. تجارب الأمم المتقدمة في تكريم الإنسان – المؤلف: جون ديكسون، روبرت شيريل، وآخرون
4- الـبـنـك الـدولـي، تحسين شبكات الأمان ضروري لتحقيق منافع العولمة للفقراء في العالم ، 24 جانفي 2001، media.worldbank.org
5- الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الاجتماعية و لمعهد الاحصاء .
-6 موقع نواة تحقيق- احتساب نسب الفقر : تلاعب بالإحصائيات وطمس للتفاوت الجهوي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *