الأربعاء , 22 مايو 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / تونس بين اغتصاب الجسد واغتصاب الفكر

تونس بين اغتصاب الجسد واغتصاب الفكر

تعيش بلادنا منذ مدة على وقع عديد الاحداث المؤلمة من حادثة الرقاب والتي تعرض فيها الطفل الى اغتصاب فكري وجسدي في ان واحد من خلال اناس ارادوا ان يلبسوا عليه دينه ويخرجوه من دنياه ..قالوا له بان علوم الدنيا كما يسمونها هم حرام ولا فائدة من ورائها ولا تمكنه من دخول الجنة او انه لن يكون سببا في دخول والديه لها ..بينما العلوم الشرعية وحدها كما يسمونها هي سبب السعادة المطلقة والفوز العظيم ….اناس لا هم لهم الا اغتيال العقل لدى الناشئة وقصف ملكة التفكير لديهم ليصبحوا اداة في يدي شيخ الطريقة وتنمو عندهم نظرية الولاء والبراء ووجوب طاعة الشيخ الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويصبح التقليد هو الاسلم والتمسك بالماضي و تقديسه والارتماء فيه مغمضي العينين بحثا عن حل لحاضر مؤلم هو الاصل مؤسسين ذلك على مقولة حنبلية مفادها ان آراؤهم لنا خير من آرائنا لانفسنا …..امام هذا الاغتصاب الفكري للناشئة يقف البعض مدافعا عن المغتصبين ويتهم من نبه وندد بهذه الفعلة بل يرميه بالزندقة والكفر ومعاداة الدين والقرآن رغم علمه بعدها بالاغتصاب الجسدي الذي تعرض له الاطفال ومايمثله ذلك من ضرب لشخصية الطفل ومن محو لكل مقومات الشخص السوي وذلك كله في اطار صرع سياسوي رخيص يرتهن الطفل ويضحي به من اجل مصالح آنية ايديولوجية ولتحقيق غايات سياسوية بخلق جيل مهمش مسطح الوعي يسهل لهم السيطرة عليه واستقطابه ليكون خزانا انتخابيا مستقبليا.

جريمة اغتصاب الفكر هذه يقوم بها اناس قلنا انهم ليسو منا ، لا يشبهوننا في شيء ..ياتون من مغاور التاريخ لكن ماحدث في احد معاهدنا جعلنا نكتشف ان منهم من هو متسلل بيننا في غفلة من الزمن او مستعملا التقية، فاحد اساتذة العربية وفي سؤال في فرض من الفروض ضاقت عليه عيون الشعر العربي من جاهله الى حديثه بما رحبت ،ضاق عليها النثر العربي ولم يجد سؤالا غير ذلك المتعلق ببشرى بلحاج حميدة وقد ذكرها بالاسم وذلك في توظيف لصراع هووي وادخال للتلاميذ في جدل لا يعنيهم مازال لم يحسم فيه بعد .

بما ان المصائب لا تاتي فرادى …بعد مرور حادثة الرقاب تاتي كارثة مستشفى الرابطة والتي اغتصبت فيها الحياة ….رضع ما إن أتوا للحياة حتى غادروها دون ذنب اقترفوه هم ولا آباؤهم سوى ان القدر جعلهم يولدون في بلد الافلات من العقاب فيه مقدس ….حماية الفاسدين فيه مصلحة وطنية …في بلد لاتستطيع حكومته في كل مصيبة الا ان تكون لجنة تحقيق مهمتها هي طمس الحقيقة ووأدها.

….مازلنا لم نفق بعد من صدمة الرابطة ياتينا الخبر الصاعقة من صفاقس ..معلم او مربي يعتدي جنسيا على 20من منظوريه والعدد قابل للارتفاع ….معلم يدرس في المدرسة العمومية …مدرسة الدولة المدنية والحداثة وهذا ما سيستغله مغتصبو الفكر للنواح واللطم على اخلاق العلمانية والحداثة وماتبشر به من سقوط للقيم واشاعة للفاحشة.

.ان كنا نخشى على اطفالنا من وهم الخلافة وشعار الاسلام هو الحل وان آخرالامة لا يصلح الا بما صلح به اولها…فنحن نخشى عليهم كذلك من وهم المشروع الحداثي الذي فشلت النخب في ارسائه في بلادنا منذ الاستقلال الى الان شانهم في ذلك شان جميع النخبة العربية من المحيط الى الخليج …فعلى مدى 60سنة حكمنا حداثيون او كما يدعون لكن لم نر تعددية فكرية وسياسية …لم نعش تداول سلمي على السلطة …لم نتعود على معارضة ومقارعة الراي بالراي والحجة بالحجة ….لم نتعلم نسبية الحقيقة واخضاع التاريخ والتراث للعقل …..بل ماعشناه هو ثقافة الشخص الواحد والحزب الواحد الذي لا يرينا الا مايرى ليهدينا الى سبيل الرشاد ….عشنا سجن المخالف في الراي وقتله احيانا باسم حماية الدولة من الخونة….عشنا السعي لتدجين المنظمات الوطنية والسيطرة عليها مثل اتحاد الشغل ،نقابة الصحفيين وجمعية القضاة وغيرهم …..عشنا قتل المتظاهرين وقمع الطلبة وعسكرة الجامعة وذلك كله من اطراف ترفع لواء الحداثة ومدنية الدولة ….اطراف لا تؤمن بحق الاخر في الاختلاف وهو جوهر الفكر الحداثي.

ما نعيشه اليوم هو صراع بين تجار الدين وتجار الحداثة …وهو ما جعل اطفالنا عرضة للاغتصاب الفكري والجسدي الذي تارة ياتي باسم الدين وطورا باسم الحداثة احيانا يؤسس على الزندقة والكفر ولحماية الدين المهدد واحيانا يؤسس على الخيانة العظمى والشرذمة التي تريد تخريب الوطن ووجوب التصدي لها لضمان الوحدة الوطنية والمصلحة العليا للبلاد …والضحية واحد الطفل التونسي ،الشاب التونسي ..العقل التونسي.

 

توفيق رمضان

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *