الثلاثاء , 20 أبريل 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / قراءات / تعلّم صنـ(ا)عة برامج حكم!

تعلّم صنـ(ا)عة برامج حكم!

في 27 فيفري 2021، ألقى، راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة خطابًا امام أنصاره تضمن فقرة أثارت الكثير من الجدل بشأن مستقبل الدكاترة المعطليّن عن العمل.

حذف المكتب الإعلامي للحركة، في اليوم نفسه، الفقرة من الصفحة الرسميّة. قال الغنوشي أنهُ لما استقبل بصفته رئيس مجلس نواب الشعب ممثلين عن الدكاترة للاستماع لمشاكلهم أخبرهم بأن “اختصاصاتهم العلميّة غير مطلوبة في سوق الشغل” ونصحهم “بأنهم لو يتعلموا صنعة راهم لباس عليهم”!

لنتفق أولاً، لسنا في المطلق ضد “النصيحة / الفتوى” التي تقدم بها راشد الغنوشي ولكن أن تكون موجهة لصفوة النخبة الأكاديميّة والعلميّة في البلاد فهذا ينم عن جهل مركب وغياب أي مشروع سياسي للنهوض بالبلاد. المفروض أن الدور الطبيعي للدكاترة والباحثين في أي مكان في العالم هو الاضطلاع بمهمة إنتاج المعرفة عبر إدماجهم بالمنصات المنتجة لهذه المعرفة وعلى رأسها مراكز الدراسات والأبحاث والوحدات العلمية والجامعات لأن المعرفة هي العامل الأكثر أهمية لبناء القدرات والانتقال من حالة التخلف التي نعيشها إلى التطور. وهذا يجب أن يكون مشروع دولة وليس مشروعًا فرديًا فأغلب الدول في العالم تقدمًا وتطورًا هي الدول الأكثر اهتماما بنخبها العلميّة والأكثر إنفاقا على البحث العلمي (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، اليابان).

إذا كانت هناك نيّة صادقة تعكس الخطب الرنانة التي نستمع لها عن ضرورة الالتحاق بركب الدول المتقدمة فما على الدولة إلاّ استقطاب نخبها العلميّة في مختلف مؤسساتها البحثيّة والجامعيّة والعلميّة لتضمن أمنها التكنولوجي والعلمي والغذائي. تقول الإحصائيات أن 95 ألف تونسي من خريجي الهندسة والطبّ والبحث العلمي والتعليم الجامعي (تكلفة تكوين كل فرد منهم على خزينة الدولة في حدود 100 ألف دينار) غادروا البلاد بعد 2011 وفق أخر دراسة أجراها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.

نعود الآن لنفصّل القول في “النصيحة / الفتوى” التي تقدم بها الغنوشي وندرس إمكانيات تفعيلها على أرض الواقع بعيدًا عن الخطابات الإنشائية والوعود الزائفة.

لو افترضنا جدلاً، أن الشباب المُعطل عن العمل اقتنع بضرورة “تعلم صنعة”!

هل أن راشد الغنوشي وحزبه الذي عجز طيلة عشرية كاملة في الحكم عن إيقاف نزيف المنقطعين عن الدراسة (100 ألف تلميذ منقطع كل سنة حسب إحصائيات وزارة التربية) قادر أن يحدد متطلبات سوق الشغل وعلى ضوء ذلك يطرح رؤية بديلة لمراجعة منظومة التعليم عامة والتوجيه الجامعي خاصة حتى لا تكونا قاطرتين للبطالة؟

هل تستطيع حركة النهضة التي ارتفعت في عهدها نسب البطالة لتصل إلى 17.4% (حسب آخر إحصاء للمعهد الوطني للإحصاء بتاريخ 15 فيفري 2021) أن تصوغ و تمرر قوانين وإجراءات تفرض على البنوك بوصفها القطاع الأكثر ربحًا ومراكمة للثروة تمويل المشاريع للشباب المعطلين عن العمل بنسب فائدة منخفضة والحال أن نفس الحزب أسقط في قانون الميزانية الاخير مقترحا تقدمت به الكتلة الديمقراطيّة لاقتطاع 0.5% من مرابيح البنوك لتشغيل حاملي الشهائد العليا من الذين طالت بطالتهم؟

هل أن حركة النهضة قادرة على تفكيك شبكات احتكار القطاعات عبر إلغاء الرخص وفتح باب المنافسة وتبسيط التعقيدات الإدارية لتسهيل استثمار الشباب في حين أنها أسقطت حكومة بأكملها من أجل المحافظة على الامتيازات الممنوحة لعائلات بعينها؟ أم أنها تريد إنتاج “صنايعية” و”خماسة” لخدمة عائلات الريع!

هل يستطيع راشد الغنوشي أن يفي بوعده بمنح الأراضي الفلاحية والضيعات الدولية للمعطلين عن العمل والحال أن حزبه حارب بكل الوسائل تجربة جمنة وتمترس كرأس حربة للدفاع عن لصوص المال العام والمتمعشين من “رزق البيليك”؟

هل بإمكان راشد الغنوشي تقديم أي حلول واقعيّة لمعضلة الدكاترة المعطلين عن العمل والبطالة عموما والحال أنه عجز عن الإيفاء بوعده في إرساء “ويفي مجاني” في بلدية؟

أود قبل أن أختم أن أذكّر راشد الغنوشي أن الأقربون أولى بالمعروف والنصيحة لذلك أرجو أن تنصح صهرك “الدكتور” رفيق بوشاكة لإرجاع الهِبة الصينيّة التي ستمكن الدولة من الترفيع في ميزانية البحث العلمي التي لا تتجاوز 8 % من الميزانية الجملية لوزارة التعليم العالي و البحث العلمي و0.33 %من ميزانية الدولة لسنة 2019!

ختاماً، كلمة رئيس حركة النهضة وتحميله لمسؤولية البطالة للدكاترة وللمعطلين للعمل عمومًا ليست سهواً أو زلة لسان بل تتنزل ضمن سياق كامل لحزب يعيش منذ سنوات أزمة حكم وغياب برامج. وكل مناوراتهم السياسية وخطبهم الإنشائية عن الديمقراطية كقاطرة للتنمية ليست إلاّ وسيلة لغاية مزيد التمكين وأكبر دليل أن خروجهم بثقلهم للشارع (اعتصام باردو 2013 ومسيرة 27 فيفري 2021) لم يكن من أجل فرض خيارات اقتصادية واجتماعية تقطع مع القديم بل لأجل استمرارهم في الحكم.

الحكم ليس غاية في حد ذاته إلاّ لمن يرَ فيه غنيمة ووليمة … الحكم هو وسيلة لتطبيق البرامج وتحقيق ما ينفع الناس.

مراد بن حسين

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *