الخميس , 13 مايو 2021
الرئيسية / تيار الطلبة الديمقراطيين / تاريخ حركة 5 فيفري 1972 المجيدة

تاريخ حركة 5 فيفري 1972 المجيدة

بقلم فوزي الشّعباني

سبّاقة كانت الحركة الشّبابيّة والطلاّبيّة التّونسيّة وطلائعيّة.

في بداية القرن الماضي تحديدا في 7 فيفري 1907 أعلنت “حركة الشّباب التّونسي” عن نفسها كأوّل تشكيل سياسيّ للنّخب الإصلاحيّة الصّادقيّة والزّيتونيّة. حيث أعلن الفيلسوف ميشيل فوكو، الأستاذ بالجامعة التّونسيّة، أنّ الحركة الطلاّبيّة التّونسيّة أذهلته إذ كانت بالنّسبة إليه تجربة سياسيّة حقيقيّة تنزّلت قوّة أخلاقيّة وفعلا وجوديّا ومن ثمّة “لم يكن ماي 1968 بفرنسا ما غيّرني بل مارس 1968 في بلد من العالم الثّالث اسمه تونس”.

كان “الاتحاد العام لطلبة تونس” منبع الحركة الطلاّبيّة ولأنّه تنزّل منذ التّأسيس في سياق وطنيّ نضاليّ رأت السّلطة الوليدة فيه فاعلا سياسيّا وجب تدجينه ليكون في ركابها ما لقي مقاومة من داخله أوّلا ثمّ من قواعده وخارجه ثانيا تجدّدت في تحرّكات بمناسبة العدوان الأمريكيّ على الفيتنام في 1965 والعدوان الصّهيوني في 1967…الخ. وكانت حركة/انتفاضة 5 فيفري 1972 الحدث الفارق المفجّر لوعي طلاّبيّ لا فقط مقاوم “الإمبريالية” و”الصهيونية” بل ويقطع مع السّلطة “الرّجعيّة” و”التابعة”! .

حركة فيفري 1972 تعود إلى سنوات خمس خلت مخلّفات الحراك المناهض للإمبرياليّة والصّهيونيّة وما تعرّض له الطّلبة من محاكمات تعسُّفية من قبل محكمة أمن الدولة كالتي طالت مناضلي “البريسبيكتيف” واستؤنفت بإعلان محاكمة المناضل أحمد بن عـثمان الرداوي وزوجته سيمون للّوش يوم 1 فيفري وكان أحمد بن عـثمان قد وقعـت محاكمته سنة 1968 ثم أطلق سراحه عام 1970 ما دفع الطّلبة إلى إعلان إضراب عام في كافة المؤسسات الجامعـية يومي الإثنين 31 جانفي والثلاثاء 1 فيفري 1972. يوم المحاكمة تظاهـروا أمام قصر العـدالة بشارع باب بنات وساحة باب سويقة حتى وصلوا إلى قلب العاصمة بشارع بورقيبة. ولكن يبقى الحدث الأبرز والفارق ما حصل بمؤتمر قربة الثّامن عشر المنعقد من 12 إلى 16 أوت 1971 تحت شعار “الحركة الطلابيّة تعبير عن مطامح الأمّة”. كان المعارضون أقليّة من 36 نائبا فقط غير أنّ مجريات المؤتمر الذي امتدّ إلى 9 أيّام كاملة وسّعت من دوائر التيّار التّحرّري أضحى أغلبية بـ 105 نائبا معارضا من أصل 180، ما عصف بالقيادة الدّستوريّة. ولرفض الحزب الحاكم التّغيّر في موازين القوى نفّذ بمساعدة أجهزة القمع البوليسيّ والميليشياويّ انقلابا على إرادة القواعد الطلابيّة وأغلبيّة النوّاب النّقابيّين تمّ عبره تنصيب الأقليّة على قيادة الاتحاد إذ تمّ طرد المؤتمرين بالقوة للحؤول دون المصادقة على لوائح المؤتمر التّحرّريّة وتنقيح القانون المندرج في سياق دمقرطة المنظّمة.

اعتبر غالبيّة النوّاب ما جدّ انقلابا والمؤتمر لاغيًا وكانت بداية السنة الجامعيّة فرصة لعقد اجتماعات عامّة ندّد فيها الطلبة بما وقع صيفا في حقّ الاتحاد والنّقابيّين وتمّ الخوض في مسألة المؤتمر الخارق للعادة. هذا وصدرت عريضة بتاريخ 15 ديسمبر 71 ندّد فيها الطّلبة بالظّروف غير العاديّة التي انعقد فيها المؤتمر 18، والمناخ اللاّديمقراطيّ الذي ساد أشغاله والإيقاف العنيف واللاّقانونيّ لأعمال المؤتمر والمطالبة بالتّالي بانعقاد مؤتمر خارق للعادة تكون له صلاحيات مؤتمر عادي وينعقد في ظروف ديمقراطية حقيقية. وعلى خلفيّة ذلك بلغت الاحتجاجات الطلابية أوجها. وقد كان التّجمُّع طلاّبي ليوم 2 فيفري 1972 بكلية الحقوق الأضخم في تاريخ الجامعة التّونسيّة لضمّه ثلث المرسّمين بالجامعة حينها، حوالي 4.000 طالب من أصل 11.489 ألف طالب، في سابقة هي الأولى من نوعها للتّنديد بما وقع من انتهاك لإرادة الطّلبة. وتواصل التّجمّع إذ تحوّل مؤتمرا وقد استمرّت أشغاله كامل يوم 4 فيفري إذ تكوّنت 5 لجان تحضيريّة بدأت أعمالها فعليّا بحضور القواعد الطلابيّة. وفي الغد 5 فيفري وقبل تلاوة البيان الختامي للمؤتمر، تدخّلت ميليشيا الحزب الدّستوريّ الحاكم رافعة شعار “يحيا المجاهد الأكبر” فجوبه بشعار “لا مجاهد أكبر إلا الشّعب” وبتعزيز الميليشيا بفرق النّظام العام عرفت الجامعة أحد أكبر فصولها القمعيّة وإيقاف أكثر من 900 طالب يومها لتشمل لاحقا قائمة بلغت 1500 موقوفا، أي ثُمن المرسّمين تقريبا! والذّين بقوا 10 أشهر ونيف معتقلين دون محاكمة.

ما لم يكن في حسبان النّظام حينها أنّ الحركة الطلاّبية ستلقى مساندة واسعة من التّلاميذ والشّغالين إذ اندلعت مظاهرات واضرابات في جلّ البلاد ما أكسب الحركة النّضاليّة الدّيمقراطيّة زخما فاض من عموم جنبات الحراك الشّبابيّ وخصوصا حركة طلابيّة أضحى شعارها المركزي: “الحركة الطلاّبيّة جزء لا يتجزأ من الحركة الشّعبيّة” فضلا عن أخرى لا تقلّ أهمّية في فتح آفاق للوعي أعمق وللعمل أوسع من أجل:

– اتحاد عام لطلبة تونس ديمقراطيّ وجماهيري ومستقل،

– جامعة شعبية وتعليم ديمقراطي وثقافة وطنيّة،

– النّضال ضدّ الإمبريالية ومساندة كافة حركات التّحرّر الوطني في العالم.

لقد كرّست حركة فيفري تكتيكيّا واستراتيجيّا شعارا وخيارا مبدأ “القطيعة السّياسيّة والتّنظيميّة مع النّظام الحاكم” كرؤية ثوريّة تقطع مع الإصلاحيّة وبذلك تمّ تصنيف النّظام في خانة “اللاّوطني” و”اللاّشعبي” و”اللاّديمقراطي” في تجاوز، على يسار اليسار، لمقولات “البريسبيكتيف” المصنّفة حينها النّظام “برجوازيّا وطنيّا”.

وفي ضوء ما سبق ذكره نرى النتائج التّاليّة:

– عجز السّلطة وحزبها الحاكم عن تطويع الحركة الطلابيّة بغرض دمجها في مُسمّى “الجبهة الوطنيّة” نتيجة استعصائها في معركة الاستقلاليّة،

– تجاوز الطّلبة لخصوص المصالح القطاعيّة والتحامهم بقضايا الجماهير الشّعبيّة والتي قدّمت دعمها عبر التّلاميذ والشّغالين متّى قُمعت الحركة الطلاّبيّة،

– تخطّي الوعي الطلاّبي حدود الإقليميّ الوطنيّ دفاعا عن القضايا القوميّة وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة ومناصبة العداء للصّهيونيّة والامبرياليّة انتصارا للقضايا الإنسانيّة والعادلة

– الكشف عمّا أسماه فوكو وإن عن لحظة سابقة عن “قوّة أخلاقيّة” و”فعل وجوديّ” كناية عن نضاليّة لم يكن مقصدها تحقيق ربح قدر تشوّفها لغد أفضل استقلالي وديمقراطي.

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *