الأحد , 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / الأخبار الوطنية / بيروقراطية الإدارة.. الاستعمار الذاتي

بيروقراطية الإدارة.. الاستعمار الذاتي

“ارجع غدوة” العبارة الأشهر التي لطالما ارتبطت بالإدارة التونسية لعقود من الزمن وحتى في وقتنا الحالي وهي بمثابة تعبير باللهجة العامية عن مفهوم اجتماعي من علم الادارة ألا وهو “البيروقراطية” . لئن ارتبطت فكرة هذا النظام الاجتماعي (سلطة المكتب)، منذ نشأته وتطوره عبر العصور ثم بلورته نظريا فيما بعد على أسس علمية بالدراسة و التحليل من طرف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بهدف الوصول الى جهاز اداري مثالي يكرس قيم العدالة والمساواة و الشفافية وسيادة القانون بما يضمن التوازن و الاستقرار داخل المجتمع. إلا أنه للأسف في مجتمعنا الحالي، أصبح هذا المفهوم يشكل عقبة راسخة وعائقا مانعا أمام التنمية بجميع أبعادها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، كما هيأ لوجود بيئة خصبة لظواهر مجتمعية خطيرة مثل المحسوبية والرشوة و الفساد، وهي ظواهر استشرت عدواها في جميع المجالات ومست كل مفاصل الدولة وزادت حدة وتيرتها بشكل مهول في السنوات الأخيرة حسب ما تأكده تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، مما أخّر تونس في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
ورغم مرور سبع سنوات من الثورة التي علقنا عليها آمالا كبيرة في التغيير، فإنّ تونس لا تزال تحافظ على هذا الموروث الاداري التقليدي المتخلف بصورته النمطية التي هو عليها اليوم، و بكل ما يحتوي عليه من اجراءات روتينية معقدة، و بطء في التصرف، والاغراق في التمسك بحرفية القرارات الخالية في غالب الأحيان من المرونة اللازمة التي تستوجبها فعالية الأداء الاداري مواكبة لمستجدات العصر و تطوراته. ناهيك عن غياب روح المبادرة لدى الموظف وخضوعه لتدرج السلطة الادارية و الوقوف عند حدودها، ولا يعكس هذا سوى الدور السلبي الموكل لسجين الآلة البيروقراطية المعطلة (الموظف البسيط ) فاسحا الطريق أمام المسؤول الأول في التدرج الوظيفي بصلاحياته الكاملة و نفوذه الواسع ليوغل في استغلال صلاحياته ما ان تسنح له الفرصة بذلك دونما مراعاة لمصالح المواطنين لا بل يذهب الى القضاء عليها بدل قضائها اذا ما أراد.
“اعمل مطلب”، “البيرو لآخر”، “ارجع غدوة” وغيرها من الأجوبة التي يتلقاها المواطن التونسي كلما قصد المصالح الإدارية لقضاء شأن تعلق بضرورات حياته اليومية، خصوصا إذا كان هذا الأخير مواطنا بسيطا ليس له “معارف” بيدها عصى موسى تحول المستحيل ممكنا و تجعل الصعب سهلا و توفر له الوقت و الجهد لقضاء حاجته في زمن وجيز، بدل التردد على المكاتب ذهابا وايابا متأبطا ملفا من الوثائق غير كامل حسب ما تعلل به الموظف أو أخطأ في عنوان المصلحة الادارية كما أجابه موظف اخر أو لم يجبه الموظف ولم يعره اهتماما البتة لكثرة المهام الادارية، ثم يقضي الساعات الطوال واقفا في الطوابير، هذا ان لم يستدعي الأمر رجوعه في اليوم الموالي أو بعد أيام لغياب صاحب القرار الاداري الذي سيبت في المسألة. إنها البيروقراطية يا مواطن يا مغبون.. ..يا من لا حول و لا قوة لك عليها.
هذا الجاثوم الذي يكبل هياكلنا الادارية لا تذهب فقط ضحيته مصالح المواطن فيرجع عليه ذلك بتأثيرات نفسية تتحول الى أمراض جسدية أحيانا، بل كذلك يساهم في تعطيل مسار التنمية الذي تسعى اليه الدولة بمخططاتها وتصوراتها. حيث تنعكس كل المظاهر السلبية لهذا النظام الاجتماعي المعقد وبشدة على مناخ الاعمال و الاداء الاقتصادي بإفشال أي محاولة في التسويق لصورة البلد و فرص الاستثمار فيه. وما يساعد على ذلك من جهة الترسانة القانونية الضخمة التي تتسم بالجمود و الغموض، و من جهة أخرى تعدد الجهات المتدخلة في قرار الموافقة للترخيص في النشاط الاستثماري المحلي أو الأجنبي على حد سواء. وكل هذه المعوقات لا تخدم سوى أصحاب النفوذ حيث يستعملونها كزانة للقفز فوق القانون و يوجهونها متى شاؤوا بما يخدم فسادهم الإداري في قطاعات بعينها.
أكثر من ستين سنة مرت على الاستقلال، ورغم ذلك لم تحقق تونس نقلة نوعية على المستوى الاقتصادي، ولم تفلح في استثمار موقها الاستراتيجي “بوابة المتوسط وجسر العبور بين اوروبا و افريقيا” كعامل دافع لخلق نموذج اقتصادي يحتذى به في المنطقة و تجربة رائدة تستأنس بها دول العالم النامي، وهذا إن دل على شيء فيدل على وجه التشابه الكبير بين معطلات التقدم : الاستعمار والبيروقراطية. لأجل ذلك كانت مراجعة هذا النظام الاداري و تعقيداته من أوكد الاصلاحات التي يجب القيام بها في وقتنا الراهن، خصوصا و أن السبع سنوات العجاف التي مرت بها تونس بعد الثورة زادت من حدة الأزمة الاقتصادية التي تكاد تؤدي بالبلد الى الافلاس. وفي هذا الاطار جاءت المبادرة الاقتصادية التي تقدم بها حزب التيار الديمقراطي في ظل غياب الارادة الحقيقية والرؤية الواضحة لدى الحكومات المتعاقبة على السلطة لحلحلة الأزمة. و اعتبار أن ضرب بيروقراطية الإدارة هو خطوة مهمة في طريق الإصلاح، فقد جاء في النقطة العشرين من هذه المبادرة ” تنقية مناخ الأعمال وتبسيط الاجراءات و الغاء التراخيص المعطلة وضرب البيروقراطية و سن آجال ملزمة للإدارة لإسداء الخدمات الادارية”.
أحمد طبابي.

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *