السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية / الأخبار الجهوية و المحلية / بوعرقوب.. التي جاورت السكة ففاتها القطار

بوعرقوب.. التي جاورت السكة ففاتها القطار

يطالعك و أنت تخطو خطواتك الأولى على أرض بوعرقوب قصر منيف شيده الحلفاء لإستقبال موسليني إبان الحرب العالمية الثانية فتنقاد إلى هذا الأثر إنقيادا عبر مسلك شبه فلاحي لم تطله يد التنمية و من حولك تتراص المباني و الأزقة الضيقة و الطين، الطين الذي تخلفه الأمطار في غياب قنوات صرف المياه و الطرق المعبدة، عند باب المعلم الأثري لم يكن في إنتظارنا دليل سياحي ليطوف بنا في أرجاءه، و لم نجد من المبنى إلا جدرانا طالها الإهمال فمال لونها إلى السواد و لاحت الجدران مشققة، لم تكن الحرب العالمية الثانية هي التي فعلت ذلك بل كان الزمن و مؤسسات دولتنا فلهذه الدولة مؤسسات و مسؤولون أشد فتكا من آلة الحرب.

للقصر سكان، ليسوا بالتأكيد من سلالة موسليني و لكنهم ربما رفعوا في الليالي الباردة أكف الدعاء للطاغية الإيطالي الذي أورثهم سقفا يقيهم ويلات الشارع و كان أرحم بهم من دولتهم الغراء. تقول سيدة إستقبلتنا عند الباب : “زارنا معتمدون كثر و نواب شعب أسخياء في وعودهم و لكننا لم نر ما يسرنا” أدخلتنا بيتها و كذلك هم الفقراء طيبون و طيبون، حجرة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أقسام بقطع واسعة من القماش و سقف متداع للسقوط، و لربما كان جاهزا ليسقط منذ عقود و لكنه إستبسل رحمة بهؤلاء، شكرا للسقف على كل حال فهو أكثر مروءة من أولئك الذين جمعوا أصوات الناخبين و ذابوا كالملح في المجلس الموقر.

“أريد بيتا” خانها الصبر فترقرق دمعها، غادرنا و نحن نحاول أن نجد من الكلمات ما يطمئنها، غادرنا محملين بحكايتها التي لابد أن ننقلها لعالم فقد الكثير من إنسانيته.

وجهتنا التالية، بيت أغرقته الأمطار الأخيرة، ألفينا صاحبه بالباب، كان في إنتظارنا، تجاوزنا ردهة البيت القديم _و القديم صفة لا تتحمل الموصوف هنا_ كان شيخ طاعن في السن ممددا في فراشه، “هذا أبي الذي فقد البصر و القوة منذ سنين طويلة و هذا أنا العاطل عن العامل الصابر بلا أمل” سألته عن دور السلط المحلية و فهمت أنها هي الأخرى عاجزة عن تجاوز عتبة الوعود، الدولة التي تأكل أبناءها و مسؤولوها الموقرون _و الوقار هنا صفة أكبر من الموصوف- طرحت على نفسها مبدأ جديدا تدار به الأمور، مبدأ التسويف، يعين المعتمد منهم بلا أدنى تمويل فيضطر لبذل الوعود و الأمنيات ليجابه سيلا من المطالب راكمته حكومات فاشلة، سرنا مبتعدين عن حي حشاد، الحي الذي سيكون واحد من مصانع الثوار فالثورة تتأسس في حضن التهميش و التفقير.

غير بعيد، و على مقربة من بوعرقوب المدينة التي تعد 34 ألف نسمة بلا مستشفى، يقع حي شاكر 2، خلف السكة الحديدية يتكرر المنظر التعيس، غياب تام للطرقات المعبدة، الطين و لا شيء غير الطين، 11 عائلة تواجه الحياة بلا ماء، يقول محدثي “كانت لنا بئر و لكنها نضبت بفعل الآبار العميقة التي أحدثتها الدولة فشكرا للدولة” كان الهم ثقيلا لذلك إسترسل في حديث بدا و كأنه لا ينتهي، حديث عن تكرر الزيارات و تراكم الوعود و غياب الفعل، عن الحمار المربوط إلى الشجرة و الذي يستعمله الأهالي لجر الماء في بلد ال 3000 سنة حضارة، في بلد يحرم أبناؤه الماء و هم صابرون.

بوعرقوب التي طالها الإهمال الهمجي، بوعرقوب التي يشكو مستوصفها من النقائص و تعاني أراضيها من سوء الإستثمار الذي فرضته الدولة عن طريق الكراءات طويلة الأمد، بوعرقوب التي فقدت تعاضديتها و إرتفع منسوب بطالتها.

بوعرقوب التي جاورت السكة ففاتها قطار التنمية.

 

محمد علي الشامخي// الكاتب العام الجهوي نابل 2

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *