الجمعة , 23 أكتوبر 2020
الرئيسية / الأخبار الوطنية / بلال المرايدي: عقوبة الاعدام ما وراء المقصلة

بلال المرايدي: عقوبة الاعدام ما وراء المقصلة

تعتبر عقوبة الإعدام من أقدم العقوبات في التاريخ البشري حيث توجد لها أثار في تراث الحضارات القديمة مثل حضارة ما بين النهرين والحضارة الإغريقية والفرعونية و ظلت عقوبة الإعدام تتطور بين القوانين الوضعية القديمة وما اتت به الشرائع السماوية ومن بين اشهر تلك القوانين قانون حمورابي وهو من اشهرالقوانين المسجلة في التاريخ والتي سنها الملك البابلي حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وقد ذكرت عقوبة الإعدام في 31 موضعا من ذلك القانون حيث انها نصت على اعدام كل من قتل غيره و مارس السحر او سرق مال غيره و قاطع الطريق و ضارب الحامل حتى ان كل من يساعد عبدا في الهروب يتم اعدامه.

القانون الاشوري كذلك نص على عقوبة الاعدام لكل من قتل رجلا او امراة وكان ممكنا حينها ان يتم تبديل عقوبة الاعدام بالزام الجاني بالتعويض ا وان يؤخذ احد ابنائه او بناته في حالة موافقة اهل المجني عليه على ذلك,الزاني والزانية و السحرة وكذلك من يضرب امراة حامل ويجهضها تشملهم عقوبة الاعدام.

قانون مصر الفرعونية نص ايضا على عقوبة الاعدام حيث كانت تنفذ العقوبة في القرن 32 قبل الميلاد بطريقة شديدة الوحشية من خلال تقطيع اوصال الجاني واشعال النار فيه حيا في حين كانت المراة الحامل التي ترتكب جريمة اثناء حملها لا يتم اعدامها حتى تضع مولودها,كانت العقوبة تشمل كذلك كل من يقتل الحيوانات المقدسة وكل من يمارس السحر وكل من يدبر المؤامرات ضد فرعون وكذلك جرائم الخطف المقترفة من قبل المصريين دون الاجانب علاوة على جريمة شهادة الزور اذا ما تسببت في اعدام شخص برئ.

القانون اليوناني تعرض لعقوبة الاعدام خاصة قانون داركون والذي عرف بالظلم والغطرسة حتى ان العقاب بالاعدام كان ينفذ اذا توفر الركن المعنوي لارتكاب الجريمة حتى وان لم يشرع فيها سوى انه نوى فقط حيث تميز هذا القانون بالقسوة وعدم تطبيق العدالة الى ان جاء حكم صولون في اثينا في بداية القرن السادس قبل الميلاد وامتازت اصلاحاته بالاعتدال ومراعاة القانون الطبيعي وتخفيف العقوبات عن ابناء المجتمع الاثيني.

القانون الروماني نص على عقوبة الاعدام كذلك في قانون الالواح الاثني عشر خاصة اللوحات الثامنة والتاسعة والعاشرة حيث يعاقب بالاعدام السحرة وقاتل الغير حتى انه يباح للزوج قتل زوجته الزانية ويسمح كذلك بقتل المدين,ومنذ نهاية العصر الجمهوري الى بداية ولاية اغسطس عام 27 قبل الميلاد ظلت عقوبة الاعدام موجودة الا ان الدولة باتت هي المسؤلة عن تنزيل العقاب وتنفيذه بدافع سياسي لا ديني من اجل المحافظة على المصلحة العامة.

اما التشريع الاسلامي فقد تعرض لعقوبة الاعدام (القصاص) خاصة بالاية 45 من سورة المائدة والاية 179 من سورة البقرة كما انه اقر بمبدا التخيير في القتل العمدي .

ومع التطور الحضاري والانساني والاهتمام بحقوق الانسان في العصر الحديث ارتفعت عدد الدول التي تخلت عن عقوبة الاعدام ليصل الى 140 دولة حيث ينص البرتوكول الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للامم المتحدة في نيورك في 15 ديسمبر 1989 على الغاء عقوبة الاعدام نهائيا,وتكميلا لهذا النص القانوني الملزم اعتمدت الجمعية العامة للامم المتحدة على سبيل المثال قرارا يدعو الى وقف العمل بعقوبة الاعدام في العالم في الاعوام 2007 و 2008 و 2010 و 2014 باغلبية لم ينفك يتسع نطاقها كل عام.

ومع تنامي ظاهرة الجريمة واستفحالها في تونس تعالت الاصوات الداعية لتطبيق عقوبة الاعدام خاصة امام بشاعة الجرائم المقترفة رغم مرور 26 سنة على تنفيذ اخر حكم بالاعدام بحق المتهم الناصر الدامرجي المعروف ب سفاح نابل والمرتكب لسلسلة جرائم قتل واغتصاب ل14 طفلا ومنذ ذلك التاريخ لم تنفذ اي عقوبة اعدام رغم اصدار المحاكم العشرات من احكام الاعدام حيث تم تحويل اكثر من 100 حالة عقوبة بالاعدام الى المؤبد الى حدود سنة 2020 مع العلم ان الدستور التونسي الجديد يسمح بتطبيق هذه العقوبة.

وعلاوة على جرائم القتل العمد مع سابقية الاضمار والترصد والتي كثيرا ما تكون بدافع الانتقام لسبب ما فان جرائم القتل اليوم كان سببها الاول سلب متاع الغير لتتحول في ما بعد لجرائم اغتصاب وقتل وهو ما يجعلها في ارتباط وثيق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي للشعب التونسي حيث يكون الجاني في اغلب الحالات من الطبقة الفقيرة وهو ما يطرح اكثر من تساؤل عن دور الدولة ومدى علاقتها باستفحال الظاهرة ككل وهل ان تطبيق عقوبة الاعدام سيحد من انتشار الجريمة او انه سيجعل الدولة تتملص من دورها الاساسي في توفير حياة كريمة لعموم الشعب تغنيهم عن اقتراف جرائم سرقة وسلب تتحول في ما بعد لجرائم قتل .

بلال المرايدي

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *