الأربعاء , 22 مايو 2019
الرئيسية / مقالات و آراء / برنامج الأمان الاجتماعي يصفّي الصندوق العام للدعم

برنامج الأمان الاجتماعي يصفّي الصندوق العام للدعم

صادق مجلس نواب الشعب يوم 16 جانفي 2019 على مشروع قانون يتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.قانون موجه الى العائلات الفقيرة و المعوزة و محدودة الدخل يعطي الاولوية ل3 ملايين تونسي في التمتع بجملة من الخدمات ضمن ” إستراتيجية وطنية للإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للحد من الفقر والأسباب المؤدية إليه باعتماد مقاربة تشاركية مع كل الأطراف المتدخلة” كما جاء في الفصل الثالث من باب الاحكام العامة

و قد تمت المصادقة على المشروع بعد ان سحبته الحكومة مرة لمزيد التشاور و تضمن خمسة ابواب و 23 فصلا و كانت ابوابه كالتالي

الباب الاول:احكم عامة(6 فصول)

الباب الثاني :في برنامج الأمان الاجتماعي الاهداف و المنتفعون( 4 فصول)

الباب الثالث:المنافع المخولة للمنتفعين ببرنامج “الأمان الاجتماعي”و ضم ثلاثة اقسام:

القسم الأول حول التحويلات والدعم المادي(فصلان)

و القسم الثاني حول المنافع الصحية ( فصل وحيد)

و القسم الثالث حول آليات الإدماج والتمكين الاقتصادي(4 فصول)

الباب الرابع و يتعلق بسجل المعطيات حول الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل(5 فصول)

الباب الخامس و يتعلق بالأحكام الانتقالية(فصل وحيد)

هذا البرنامج يتنزل في اطار المخطط الخماسي للفترة 2016 -2020 في جزئه المتعلق بالحماية الاجتماعية و الادماج و ما تعتبره الحكومة رؤية سياسية موحدة للسياسات تحتاج للتنفيذ الى ارضية وطنية للحماية الاجتماعية(ص135) ترتكز على :

ضمان حق المواطن في الرعاية الصحية الاساسية

تجسيم حق المواطن في التغطية الاجتماعية و الخدمات ذات الجودة المسداة من قبل هياكل الضمان الاجتماعي

توفير الحد الادنى من الدخل الاساسي او المساعدات الاجتماعية لاسيما لفائدة الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية

توفير المسكن اللائق خاصة لفائدة الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية

 

و قد انطلقت حملات الترويج للمشروع و التسجيل قيل انه يشهد اقبالا واسعا حيث تم تسجيل ما يقارب 500 الف من الاسر. فما علاقة البرنامج بصندوق الدعم؟وهل هو فعلا أمان اجتماعي أم هو تصفية لمنظومة الدعم؟؟

برنامج الامان الاجتماعي الذي اعتبره وزير الشؤون الاجتماعية ثوريا؟؟ استهداف صريح لصندوق التعويض العام و تدمير لما تبقى من الفئة الوسطى التي شهدت تراجعا منذ 2008 لتصل تقريبا الى ما يقارب 50 في المائة

بعد استكمال قاعدة المعطيات و “تنظيفها” و تحيينها و “أعلمتها” يتم الانتقال الى تصفية الصندوق العام للتعويض وهو واحد من ثلاثة انظمة دعم (دعم المحروقات و دعم النقل)

التصفية مؤشراتها قائمة في تصريحات المسؤولين وفي سطور المخطط الخماسي 2016-2020 و يكفي العودة الى تصريحين لوزير التجارة السابق محسن حسن سنة 2016 و الحالي عمر الباهي في 2018

فالوزير محسن حسن خلال لقاء جمعه بوفد من صندوق النقد الدولي قال “أن تونس تعمل حاليا على اعادة النظر في منظومة الدعم برمتها لمزيد ترشيد الدعم وتوجيهه نحو مستحقيه”

و الوزير عمر الباهي في تصريح لـ“وات” على هامش الندوة الوطنية حول التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لمشروع قانون المالية لسنة 2019 قال “ان الحكومة تسعى اليوم الى توجيه الدعم الى مستحقيه عبر تحويلات مالية للافراد المستحقين للدعم (العائلات المعوزة وذوي الدخل الضعيف) وذلك بعد القيام بتسجيل اسماءهم”

و قبل ذلك و على امتداد سنوات قام الاعلام بقصف كبير للرأي العام لتوجيهه الى أن دعم الموّاد الغذائيّة لا يصل الى مستحقيه و ان الاسر ذات الدخل المرتفع تستفيد أربع مرّات أكثر من الأسر المحدودة الدخل؟ وهو ما فنده تقرير عن توزيع الدعم في الصندوق العام للتعويض قام به كل من المعهد الوطني للإحصاء (INS )، ومركز البحوث و الدراسات الاجتماعية ( CRES ) والبنك الأفريقي للتنمية (BAD) حيث اشار الى ان الفرق لا يتجاوز 21,9 دينار سنويا؟

ليس من اهتمامات الدولة التونسية تأمين الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية للفئات الهشة و محدودة الدخل وليس في اجندتها محاربة الفقر ولا الفقر المتعدد اذ ان الخدمات التي يعد بها برنامج الامان الاجتماعي من شمولية التغطية الصحية و أولوية تحسين السكن و التمييز الايجابي في التكوين المهني و برامج اولوية التشغيل للعائلات المعوزة وذات الدخل المحدود و التعليم و الطرف الصحي كلها خدمات “سيئة ” و متردية لم تعمل الدولة على تطويرها و تحسينها بل اهملتها وتركت منظوماتها تصارع دون خطط استراتيجية تحسن حتى من البنية التحتية و توفر الكادر البشري( صحة تعليم نقل خدمات بيروقراطية ادارية….) فما الذي تفعله الدولة؟

لئن كانت الدولة تحاول “بلسمة ” جراح 900 الف عائلة (تقريبا3 مليون تونسي) فانها و بمسعى تصفية الدعم الغذائي و توجيهه الى مستحقيه عبر الانتقال من الدعم العيني الى الدعم النقدي تفتح النار على الفئة الوسطى التي تراجعت نسبتها الى 50 في المائة فقط بعد أن كانت في الثمانينات و حتى بداية الالفية الثانية في حدود 80 في المائة و كانت تمثل صمام أمان للمجتمع.و الدعم النقدي المباشر للاسر الفقيرة و المعوزة و محدودة الدخل يعني رفع الدعم عن المواد الغذائية و تحويل قيمة الدعم الى “مستحقيه” نقدا في حساب كل عائلة اعتمادا على قاعدة البيانات التي يتم التسجيل فيها الان وهو ما جاء به قانون أساسي عدد 10 لسنة 2019 مؤرخ في 30 جانفي 2019 يتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي في الباب الثالث من حيث المنافع المخولة للمنتفعين ببرنامج “الأمان الاجتماعي”

القسم الأول

التحويلات والدعم المادي

الفصل 11 ـ تسند للفئات الفقيرة المحددة وفقا لنظام التنقيط المشار إليه بالفقرة الثانية من الفصل 2 تحويلات مالية مباشرة تصرف كل شهر تضبط طريقة احتسابها ومقدارها بقرار مشترك من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية والوزير المكلف بالمالية.

الفصل 12 ـ تنتفع الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل بدعم مادي ظرفي تضبط حالات إسناده ومقاديره بقرار مشترك من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية والوزير المكلف بالمالية.

القسم الثاني

المنافع الصحية

الفصل 13 ـ تنتفع الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل بالعلاج والتداوي والإقامة في الهياكل الصحية العمومية وبالأجهزة التعويضية والميسرة للإدماج وخدمات التأهيل، وفقا للتشريع الجاري به العمل

القارئ المتأني لهذه الفصول يجد ان ما تسميه السلطة الارضية الوطنية للحماية الاجتماعية تمس من فئات المجتمع اذ هي لا تقدم حلولا جذرية للخروج من دوامة الفقر ولا تطرح استراتيجية وطنية لتنمية هذه الفئة المستهدفة بقدر ما تؤبد فقرهم و تجعل لهم من الكفاف ما يديم شظف عيشهم في انتظار التحاق الفئة الوسطى بهم.

هذه الفئة الوسطى التي كانت صمام امان للمجتمع لطبيعة تشكلها و تكونها من الموظفين والعمال و اصحاب المهن الحرة من اطباء و محامين و مهندسين و صغار رجال الأعمال. و المتمتعة بدخل يجعلها قادرة على توفير ضروريات الحياة هذه الطبقة المتوسطة تضررت كثيرا في العقدين الأخريين من ارتفاع الاسعار و التضخم فالتجأت الى القروض الاستهلاكية لتأمين المسكن والتعليم والدواء و السيارة بل اصبحت تقترض حتى لنفقاتها اليومية ولو سألت أي موظف او صاحب مهنة حرة لوجدت ان مرتبه لا يكفيه لاسبوع و هو يعيش “في الرّوج”. فاذا كان هذا حالها في ظل دعم المواد الغذائية فكيف سيكون حالها اذا تم رفع الدعم نهائيا بحجة توجيهه الى مستحقيه

للاسف في تونس اليوم و نتيجة للسياسات المعتمدة اصبح المجتمع يعرف ثلاث طبقات:

طبقة الأثرياء الميسورين:سواء بالوراثة او الذين استفادوا من قربهم من “السيستام” قبل 17 ديسمبر .

طبقة الاثرياء الجدد :وهي طبقة طفيلية استغلت حالة الحراك الاجتماعي في السنوات الاخيرة و جمعت ثروات طائلة دون ان يكون لها مصدر واضح.

طبقة الفقراء وعلى رأسها فئة كانت الى وقت قريب وسطى تعلو طبقة المعوزة

و لعل صعود طبقة الاثرياء الجدد و بعدد يتزايد يوميا يفسر سبب انقراض الطبقة الوسطى اذ التناسب العكسي يؤكد ان كل الصعود السريع لطبقة ما إلى الأعلى منها عبر الإثراء السريع يؤدي الى سقوط أعداد من الأفراد إلى الطبقة الفقيرة تعادل عشرة أضعاف الصاعدين

الواضح أن برنامج الامان الاجتماعي هو التفاف اخر على ضرورة مراجعة منوال التنمية و تغيير اليات اشتغال العقل الاقتصادي في تونس ربطا بواقع البلاد و ظروفها و امكانتها و الواضح انه انهاء لكل أمل في الترقي الاجتماعي لشرائح كبيرة من المجتمع وهو اعتراف رسمي بأن لا عودة على خيار الانفتاح الاقتصادي المبالغ فيه فلا مصاعد اجتماعية ولا امل في تحسين الاوضاع و الظروف المعيشة و الامر فقط للصدفة على الطريقة الامريكية.

 

محجوب النصيبي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *