الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / الأخبار الوطنية / انكسار النداء أم نصف انتصار للشاهد

انكسار النداء أم نصف انتصار للشاهد

يبدو أن حرب كسر العظام ما تزال متواصلة بين رئيس الحكومة من جهة وشقّ حافظ في نداء تونس المدعّم من رئيس الجمهورية من جهة ثانية. ذلك أنّ حرب التصريحات والبيانات خلال المدّة السابقة كانت تنبأ بانكسار أحدهما، وبعد تدخّل رئيس الجمهورية نصرة لابنه على غريمه الشاهد، وتوصيف هذا الأخير بالفاشل والمتسبب في أزمة الحزب وتعميق أزمة البلاد، يقوم رئيس الحكومة في حركة استعراضية على شاكلة العمليات البيضاء باقتراح تعيين وزيرا للداخلية، والواضح أنّ الغاية ليست في سدّ الشغور بقدر ما هي رغبة في قياس درجة المقبولية التي يحظى بها وتحديد من معه ومن عليه.
أما بالنسبة إلى كتلة نداء تونس فقد عقدت اجتماعها التنسيقي يوم الجمعة وعرضت مسألة المصادقة على اقتراح رئيس الحكومة تعيين هشام الفراتي وزيرا للداخليّة على التصويت، لينتهي الاجتماع إلى رفض هذا التعيين والاتفاق على عدم التصويت له والإعلان عن ذلك جهرا. غير أنّ انقلاب موازين القوى لفائدة الشاهد بدعم من حركة النهضة وعدد من الكتل البرلمانية التي انخرطت في مشروع الصفقات السياسية المشبوهة وخاصة منها حزب الاتحاد الوطني الحر، جعل الكفة تميل لفائدة الشاهد ومقترحه. ولتفادي الهزيمة المدوّية والتي يمكن أن تعصف بنداء تونس وتجهز عليه نهائيا، بادرت الكتلة البرلمانية لهذا الحزب بعقد اجتماع جديد يوم جلسة البرلمان، لتخرج بقرار فاجأ للجميع مفاده التراجع عن قرار السابق والإعلان عن اعتزام نواب النداء منح الثقة لمرشّح الشاهد لوزارة الداخليّة، بل وعقدت في نفس اليوم ندوة صحفية بمقر المجلس بحضور المدير التنفيذي للنداء ورئيس الكتلة الغريمان الأزليان للشاهد للإعلان عن هذا القرار المفاجئ. والمرجّح أنّ هذا القرار قد تمّ اتخاذه بالتشاور مع رئيس الجمهورية وهو نفسه الرئيس الفعلي للنداء بهدف تفادي الهزيمة واهتزاز صورته وصورة ابنه أمام الرأي العام التونسي. والمرجّح أنّ هذا التراجع لم يكن لاعتبارات وطنية مثلما يحاول أن يروّج لذلك نواب النداء، بل هو تراجع تكتيكي أملته الظرفية الجديدة والتوافقات الخفية والصفقات السياسية التي عقدها الشاهد مع عدد من الكتل البرلمانية. فقد ثبت خلال مرحلة ما قبل التصويت أن نواب كتلة حركة النهضة وكتلة الاتحاد الوطني الحر وعدد من نواب كتلة الولاء للوطن وحزب آفاق والكتلة الحرّة إلى جانب عدد من نواب النداء المعارضين لحافظ قائد السبسي عزموا على التصويت لمقترح الشاهد وهو ما يمكن حسابيا من الحصول على 109 صوتا وهو العدد الضروري لمنح الثقة لوزير الداخلية المقترح. وعندها يمكن للشاهد أن يحقّق انتصارا معنويا وسياسيا يدعّم به موقعه ويزيد في قوّته، وفي المقابل يضعف من موقف الباجي وابنه وتبعا لذلك من حزب نداء تونس ومكانته. ويبدو أنّه لم يكن من خيار أمام الباجي وابنه وأتباعهما بكتلة نداء تونس سوى تغيير التكتيك والانخراط في لعبة جديدة تحوّل انتصار الشاهد إلى نصف انتصار، وتحافظ شكليا على وحدة الكتلة ويبرز نداء تونس ورئيسه كمدافعين على المصلحة الوطنية والمبادرين بحماية تونس من الإرهاب خاصة وأن الشاهد عمل على التسويق لمرشحه كحامي تونس من التهديدات الإرهابية.

من جهتها فإنّ حركة النهضة قد وجدت في عملية منح الثقة لوزير الداخلية المقترح من الشاهد فرصة لضرب حليفها النداء وتبرز في صورة المنتصر أمام الرأي العام، لذلك بادرت منذ البداية بإعلان دعمها للشاهد وصرّح رئيس كتلتها باعتزام نوابهم التصويت لفائدة مقترحه. وبرزت هذه الحركة مرّة أخرى في ثوب المراهن على المصلحة الوطنية والداعمة لكل مبادرة تتجه نحو مقاومة الإرهاب وهي النقطة التي كان الشاهد يؤكّد عليها في الجزء الأكبر من تدخلاته خلال جلسة مجلس نواب الشعب. غير أنّ نواب السبسي عن النداء في البرلمان التقطوا مباشرة الرسالة وبادروا بتغيير موقفهم حتّى يقلّلوا من هذا الانتصار الذي يمكن أن يحسب لفائدة النهضة والشاهد.

والأكيد أنّ “الماكينة” الإعلامية ستشتغل خلال الأيام القادمة على هذه النقطة وستصوّر الباجي وابنه ونواب المافيا الندائية على أنهم رعاة للمصلحة الوطنية الذين غلّبوا مصلحة تونس على المصالح الحزبية الضيّقة والخلافات الشخصية والحسابات السياسية، ويتمّ تصوير منح الثقة لوزير الداخلية كضرورة أمنية لحماية تونس من الإرهاب والتطرّف الديني.

إلى حدّ هذه المرحلة من الحرب كسر العظام التي تدور رحاها بين قرطاج والقصبة وباردو ومونبليزير، تبدو فيها المعارك الطاحنة ليست إلاّ خدمة لمصالح حزبية ضيّقة وحسابات سياسية تأسست على عقد صفقات مع لوبيات ليس لها من غاية سوى تدعيم موقعها في السلطة والحفاظ على الامتيازات الموروثة دون مراعاة لمصلحة وطن يغرق في أزمة اقتصادية خانقة ويعاني من حالة احتقان اجتماعي متزايدة.

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *