الإثنين , 29 نوفمبر 2021
الرئيسية / مقالات و آراء / انقاذ المدرسة العمومية مسؤولية مجتمعية

انقاذ المدرسة العمومية مسؤولية مجتمعية

في ظل انسداد الأفق وتأزم العلاقة بين الهياكل النقابية وسلطة الاشراف، والتخوّف المتزايد الذي يناب الجميع من السير بالعام الدراسي نحو السنة البيضاء، وأمام لامبالاة الفريق الحكومي و”الاستقالة” الفعلية لرئيس الجمهورية من جهة، وتمسك اتحاد الشغل والجامعة العامة للتعليم الثانوي بمطالبها من جهة ثانية، جعل الوضع التربوي ينزلق إلى منعرجات خطيرة مع دخول التلاميذ في مسار الاحتجاجات. وانطلاقا من تمسّك الأغلية الساحقة بالمدرسة العمومية باعتبارها المصعد الاجتماعي الوحيد للطبقات الشعبية، فإنّ حلحلة الأزمة تبدو ضرورة ملحة ومسؤولية الوطنية. ذلك أن إقرار سنة دراسية بيضاء خلال الموسم الدراسي الحالي أمر مستحيل ولن يتحقق وعلى الجميع أن يبذل كل ما في وسعه وتقديم التنازلات الممكنة لتجنب حصول الكارثة على التربية الوطنية وعلى تونس بشكل عام.
ولو عدنا إلى أزمة التعليم الثانوي الحالية، فإنّها ناتجة صراع بين النقابة وسلطة الإشراف، فبينما تتمسك نقابة التعليم الثانوي بمطالب ومقترحات تعتبرها شرطا أساسيا للعدول عن مقاطعة الامتحانات، فإنّ وزير التربية الحالي يعتبر أنّ هذه المطالب لا تخص فقط قطاع التعليم وإنما تخص قطاع الوظيفة العمومية ككل. ولئن بدا من الممكن القبول بعدد من مقترحات الجامعة العامة للتعليم الثانوي وأن تحظى بموافقة سطلة الإشراف والاعتزام على تطبيقها رغم كلفتها المالية العالية، فإنّ النقاط الخلافية العالقة في المفاوضات الجارية بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي والمتسببة في الأزمة تتلخص في تشبث النقابة بالمطالب المتعلقة بالمنح الخصوصية والتقاعد المبكر.

وفي هذين النقطتين يكمن عمق الخلاف بين وزير التربية نقابة التعليم الثانوي المتعلقة، إذ اعتبرت وزارة التربية أنّ هذان المطلبان مقترحات المتعلّقان بالمنح الخصوصية والتقاعد المبكر مسائلتان تخصّان مفاوضات قطاع الوظيفة العمومية الجارية بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل ولا تخص فقط قطاع التعليم فحسب. وللتذكير فإنّ المنحة الخصوصية التي تطالب بها النقابة وقدّر تقدربـ240 دينار شهريا على مدى ثلاث سنوات وهو ما يعادل 288 مليون دينار سنويا.
أمّا فيما يتعلّق بالتقاعد المبكر، فإنّ مطلب النقابة أن يكون ذلك على قاعدة 32 سنة عمل و57 سنة من العمر. وإذا اعتبرنا أنّ المطلب الأول هو قابل للتنفيذ شرط أن تتمّ معالجة حسن التصرّف في الموارد المالية للدولة عبر اجراءات ممكنة تتعلّق باستخلاص الدولة لديونها الجبائية ومعالجة مشكل التهرّب الجبائي الذي يستنفد القدرات المالية للاقتصاد الوطني عامة، فإنّ المطلب الثاني لا يخصّ إلاّ عددا محدودا من المدرّسين المباشرين، ولا تبدو التعلّات التي يقدّمها الرئيس المدير العام للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وجيها.

وفي كل الحالات، إن كانت هنالك إرادة سياسية حقيقية في حلحلة الأزمة من كل الأطراف، فمن الضروري تغليب منطق الحكمة والعودة إلى المفاوضات دون شروط مسبقة وعبر التنازل من هذا الطرف وذاك، ويكون ذلك بقبول سحب اجراءات التقاعد المبكر المعمول بها في قطاع التعليم الابتدائي على أساتذة التعليم الثانوي والتخفيض في ساعات العمل للأساتذة الذين تقدموا في السن، والاستجابة التدريجية لمطالب المدرّسين المادية وفق جدول زمني منطقي يضمن الحدّ الأدنى من توازن المقدرة الشرائية لأساتذة التعليم الثانوي.
وما ندعو إليه أن تكون المفاوضات بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي مبنية على قاعدة مبدئية لا تجعل من التلاميذ رهينة سواء عبر التهديد بمواصلة مقاطعة الامتحانات أو وقودا لتجييش الشارع ضدّ المدرّسين، لأنّ الخاسر الأكبر ستكون المدرسة العمومية التونسية التي تعدّ مكسبا للفئات الشعبية لا يمكن السماح بضربه أو التضحية به من أجل أهداف سياسية أو شخصية أو أجندات بعيدة عن المصلحة الوطنية.

رضا الزغمي

التعليقات عبر الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *