الأربعاء , 16 أغسطس 2017
الرئيسية / ثقافة وفن / الموسم الختامي من “الباقين”: لحظة تأسيس أذهلت كل النقاد

الموسم الختامي من “الباقين”: لحظة تأسيس أذهلت كل النقاد

أكملت سلسلة الباقون هذا الشهر موسمها النهائي مرفوعة على الأعناق بعد موسمين سابقين عَمَّقَا أزمة جل من اختاروا متابعة هذا العمل الدرامي الفريد و أخذه بالتحليل و القراءة.
حبكة موسم ختامي في غاية من الروعة جاءت لتؤكد براعة الإخراج التي شدت المشاهدين في العامين الماضيين، و التزام المخرج بأهمية كل مشهد و تبنيه لكل صورة استخدمها، بعيدا عن كل ما ساد في الأعمال الحالية، من اعتماد التشويق المبهم الرخيص المليء بالألغاز و التشخيصات التي كثيرا ما توهم القارئ بالرمزية و القصدية و تنتهي بتتفيه الصورة و هدم محاولات الفهم و قطع سبل الاستنتاج.

جاذبية ذكية للقصة

تمتاز سلسلة The Leftovers باعتمادها الإثارة النفسية و الغموض مع حرصها على احترام لذكاء المتفرج. فهي تذهب مع الخيال إلى عوالم جديدة متقنة البناء و الصياغة دون أن تجعل المتفرج في وضعية متلق لروايات شعبية للأطفال تجعله يبحث عن نهاية القصة فقط.
و تأتي أطوار حلقات “الباقون” في سياق ثلاث سنوات بعد 14 أكتوبر 2011، حيث جد حادث غريب ذلك اليوم تمثل في اختفاء 2% من سكان العالم بشكل غامض في آن واحد.
و تبقى تبعات هذا الحدث تلاحق أبطال الموسم الأول من هذه السلسلة؛ فهي تتناول حياة عائلتين من بلدة مايبلتون الوهمية هما “جارفي” و “جيميسون”.

عائلة جارفي

يصارع “كيفين جارفي”، و هو الشخصية المحورية ومدير للشرطة في المدينة، ليعيد ربط أواصر أسرته التي تعاني من تفكك بدأ مع انضمام زوجته “لوري” الأخصائية النفسية بشكل مفاجئ لجماعة عدمية تطلق على نفسها لقب “البقية خطاءون”.

و يلتزم أفراد هذه الطائفة بالتدخين كامل اليوم و عدم الكلام و التخاطب عن طريق الكتابة على الدفاتر. و يعتبر منتسبو “البقية خطاءون” أنه لا يحق للبشر مواصلة حياتهم بشكل عادي بعد وقوع ظاهرة “الرحيل المفاجئ”.
أما الابن “تومي” فقد ترك دراسته الجامعية وأصبح يشتغل كأحد الأعوان الشخصيين المكلفين بحماية “وابن المقدس”، و هو رئيس مجموعة عقائدية فنتازية يؤمن بأن لديه قدرات خارقة على شفاء الأشخاص و قد تحول إلى شخص ثري، خارج عن القانون و مطلوب لدى وكالات الأمن القومي.
و تواصل “جيل” ابنة “كيفين و لوري” المراهقة العيش مع والدها في نفسية مضطربة تجعلها تقارن وضع عائلتها المأزوم مع حالة المرح و اللامبالاة التي تراها لدى زملاؤها من المراهقين في القسم. فرغم أن عائلتها لم تفقد أحد أفرادها يوم 14 أكتوبر، فقد أصبحت حالتها أكثر تعاسة من تلك العائلات التي أمكن لبعضها تجاوز الحادثة. فهي كل ما تبقى لوالدها بعد دخول جدها لمصحة عقلية لادعائه وجود شخصيات اختارته لتتحاور معه.

عائلة جيميسون

يقوم “مات جيميسون”، و هو رجل دين مسيحي في الأربعينات من عمره، برعاية زوجته “ماري” التي أصيبت بالشلل الكلي في حادث سيارة لحظة “الرحيل المفاجئ”.
و تتسبب خطابات “مات” العدوانية أحيانا تجاه “الراحلين” في اعتداءات جسدية عليه و هجر الناس لكنيسته التي وصلت حد إخلاؤها للبيع.
حيث يسعى مات لمحاولة إثبات نظريته بأن أغلب البالغين الذين اختفوا هم من المذنبين و لديهم خطايا لم يعرفها عنهم الكثير. ويعود هذا لعدم قدرته على تقبل فكرة عدم رحيله في الحدث الغامض الذي يرتبط في ذهنه بنبوة كان يؤمن بها عن يوم يصعد فيه مجموعة ممن اختارهم الرب إلى السماء.
أما شقيقته “نورا” التي فقدت زوجها و طفليها على طاولة الفطور بينما كانت تعد لهم الطعام، ستصبح على مدى المواسم الثلاثة من سلسلة “الباقون” المحرك الفعلي لكل محاولات فهم ما جرى. فهي تعيش لحظة ندم دائم حول إمكانية رحيلها مع أسرتها لو تواجدت معهم على الطاولة.

شخصية “نورا” التي تتصارع فيها جوانب العقلانية المادية و العواطف الفطرية للأم و الحبيبة، ستكون أيضا همزة وصل في الأحداث بين عائلتي “جارفي” و “جيميسون”، و ستملأ الأحداث تشويقا بطبيعتها امشحونة بالهدوء أحيانا و بالتوتر أحيانا أخرى في دور أجادته الممثلة “كيري كوون”.

البشر يملكون المكان.. المكان يملك قصة البشر

اختار فريق الإخراج مدينة “جاردن” الوهمية، التي ادعى وجودها في تكساس، ليصبغ الجزء الثاني من سلسلة حلقات “الباقون”. مدينة “جاردن”، التي تم تسميتها “ميريكل” (بمعنى معجزة) نظرا لعدم تسجيل أية حالة فقدان خلال 14 أكتوبر 2011 في سكانها التسعة آلاف، ستعرف تطورات حاسمة في سياق القصة فور وصول العائلتين إليها.
عائلة ميرفي ستنظم أيضا بشكل ناعم للقصة، و ستزيد في متاعب المشاهد حتى الحلقات الأخيرة من الجزء الثالث التي تم تصوير مشاهدها في مدينة “ميلبورن” الأسترالية مع بعض المشاهد في الأماكن التي ادعوا أنها “جاردن”.

مع انتهاء الحلقات بامكان المشاهد أن يتمعن في حقيقة أن الأماكن تم اختيارها بشكل مثالي. أما الأحداث المتلاطمة على الأذهان، و التي أعطت في الختام للقصة معناها، فقد قدمت مثالا في الالتزام الفني و لم تكن مجرد شطحات نسخها كاتب من مجموعة أفلام منسية عندما طالبوه بسيناريو على عجل كما يمكن لأي متابع للدراما الأمريكية ملاحظة ذلك في عديد الأعمال.

الجزء الثالث و الأخير: 8 حلقات هزت النقاد

ليس من السهل أن ينال عمل فني رضا معقلي النقاد، أي مؤشري “روتن تومايتوز” و “ميتا-كريتيك”. فقط الاستحقاق هو من يفرض نفسه أمام أشرس نقاد في الولايات المتحدة الذين لا يرحمون صغيرا و لا كبيرا. فهذا العمل الذي كشف طاقات كبيرة لدى ممثليه، فتح لهم كل الأبواب العريضة لمزيد البروز في أعمال فنية قادمة في أدوار تليق بما قدموه في سلسلة “الباقون”.

تطور تدريجي تصاعدي في مؤشري الموقعين أكد قيمة هذا العمل الفني و صنفه عاليا مع سلسلات درامية مرجعية.
في المحصلة سلسلة The Leftovers ستكون من أروع ما ستتفرج عليه يوما.
ستشعر بعد أن تنتهي من مشاهدتها أنك فقدت روحا عزيزة عليك، و لن تتقبل الأمر بسرعة.

إسماعيل بوجلبان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *